كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 262
ولما ذكر النار وقدمها لأن المقام للإنذار ، أتبعها دار الأبرار ، فقال ساراً لهم بإسقاط مؤنة السير وطيّ شقة البعد : ( وأزلفت ( أ يقربت بأيسر أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة ) الجنة للمتقين ) أي العريقين في هذا الوصف ، فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه من الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا ، وأما غيرهم من أهل الإيمان فقد يكون لهم على غير هذا الوصف ، فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في الزمر .
ولما كان القرب أمراً نسبياً أكده بقوله : ( غير بعيد ) أي إزلافاً لا يصح وصفه ببعد .
ولما كان التقريب قد لا يدري الناظر ما سببه ، قال ساراً لهم : ( هذا ) أي الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم ) ما ) أي الأمر الذي ) توعدون ) أي وقع الوعد لكم به في الدنيا ، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية ، وعبر عن الإزلاف بالماضي تحقيقاً لأمره وتصيراً لجضوره الآن ليكون المضارع من الوعد في أحكم مواضعه ، وأبهم الأمر لأنه أكثر تشويقاً ، والتعيين بعد الإبهام ألذ ، فلذلك قال بياناً للمتقين ، معيداً للجار لما وقع بينه وبين المبدل منه من الجملة الاعتراضية جواباً لمن كأنه قال : لمن هذا الوعد ؟ فقال تعالى : ( لكل أواب ) أي رجاع إلى الاستقامة بتقوى القلب إن حصل في ظاهره عوج ، فنبه بذلك على أنه من فضله لم يشترط في صحة وصفه بالتقوى دوام الاستقامة ) حفيظ ) أي مبالغ في حفظ الحدود وسار العهود بدوام الاستقامة والرجوع بعد الزلة ، ثم أبدل من ( كل ) تتميماً لبيان المتقين قوله : ( من خشي ( ولم يعد الجارّ لأنه لا اعتراض قبله كالأول ، ونبه على كثرة خشيته بقوله : ( الرحمن ( لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى ، وقال القشيري : التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو المشروع ، قال : ولذلك لم يقل ) الجبار ( أو ) القهار ( قال : ويقال : الخشية ألطف من الخوف ، فكأنها قريبة من الهيبة ) بالغيب ) أي مصاحباً له من غير أن يطلب آية أو أمراً يصير به غلى حد المكاشفة ، بل استغنى بالبراهين القاطعة التي منها أنه مربوب ، فلا بد له من رب ، وهو أيضاً بيان لبليغ خشيته .
ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت ، قال : ( وجاء ) أي بعد الموت ) بقلب منيب ) أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم ، ولم يقل : بنفس ، لطفاً بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم الأسف بقلوبهم ، وصدق الندم .