كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 315
سبب عن هذا من قوله : ( فاستوى ( فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها ) وهو ) أي والحال أن جبرائيل عليه السلام ، وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أي استوى جبرائيل عليهما السلام معه ) بالأفق الأعلى ) أي الناحية التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا الاستواء ، وذلك حين رآه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جالساً على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق .
النجم : ( 8 - 10 ) ثم دنا فتدلى
) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى ( ( )
ولما كان الدنو من الحضرة الإليهة - التي هي مهيئة لتلقي الوحي - من العلو والعظمة بحيث لا يوصف ، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : ( ثم ) أي بعد ذلك الاستواء العظيم ) دنا ) أي جبرائيل عليه السلام من الجناب الأقدس دنو زيادة في كرامة لا دنو مسافة ، وكل قرب يكون منه سحبانه فهو مع أنه منزه عن المسافة الموجود وبصره وجهين : قرب إلى كل موجود من نفسه ، وقرب لاية حتى يكون سمع الموجود وبصره بمعنى أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما يرضاه - اشار إليه ابن برجان ، فأخذ الوحي الذي أذن له في أخذه في ذلك الوقت ) فتدلّى ( عقب ذلك من الله رسولاً إلى صاحبكم أي أنزل إليه نزولاً هو فيه كالمتدلي إليه بحبل فوصل إليه ولم ينفصل عن محله من الأفق الأعلى لما له من القوة والاستحكام ، قال البيضاوي : فإن التدلي هو استرتسال متعلق كتدلي الثمرة ) فكان ( في القرب من صاحبكم في رأي من يراه منكم ) قاب ) أي على مسافة قدر ) قوسين ( من قسيكم ، قال الرازي في اللوامع : أي بحيث الوتر في القوس مرتين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : القوس الذراع بلغة أزدشنوءة ، وقال ابن برجان : قاب القوسين : ما بين السيين ، وقيل : ما بين القبضة والوتر ) أو أدنى ( بمعنى أن الناظر منكم لو رآه لتردد وقال ذلك لشدة مايرى له من القرب منه ( صلى الله عليه وسلم ) ، روى مسلم في الإيمان من صحيحه عن الشيباني قال : ( سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى ) فكان قاب قوسين ( فقال : أخبرني أبن مسعود رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) رأى جبرائيل عليه السلام له ستمائة جناح ) ) فأوحى ) أي ألقى سراً من كلام الله بسبب هذا القرب ، وعقبه بقوله : ( إلى عبده ) أي عبد الله ، وإضماره من غير تقدم ذكره صريحاً لما هو معلوم مما تقدم في آخر الشورى أن كلام الله يكون وحياً بواسطة رسول يوحي