كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 325
ولما كان الاستفهام إنكارياً ، كان المعنى : ليس له ما تمنى ، وكان ذلك دليلاً قطعياً على أنه مربوب مقهور ممن له الأمر كله ، فسبب عنه قوله : ( فللّه ) أي الملك الأعظم وحده .
ولما كانت الأخرى دار اللذات وبلوغ جميع الأماني وحرمانها ، وكانوا يدعزون فيها على تقدير كونها جميع ما يتمنون من شفاعة آلهتهم وإجابتها إلى إسعادهم ونحو ذلك ، قدم قوله : ( الآخرة ( فهو لا يعطي الأماني فيها إلا لمن تبع هاده وخالف هواه ) والأولى ( فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلاً كما هو مشاهد ، فمن ترك هواه فيها نال أمانيه في الآخرة ، فلهذا قدمها لا للفاصلة فإنه لو قيل ( الأخرى ) لصلحت للفاصلة .
ولما كان التقدير : فكم من شخص ترونه في الأرض مع أنه في غاية المكنة فيما يظهر لكم لا يصل إلى ربع ما يتمناه ، عطف عليه قوله ، مظهراً لضخامة ملكه وأنه لا يبالي بأحد ، دالاً على الكثرة : ( وكم من ملك ) أي مقرب ، ودل على زيادة قربه بشرف مسكنه فقال : ( في السموات ) أي وهم في الكرامة والزلفى ) لا تغني ) أي لا تجزي وتسد وتكفي ، ولما كان رد الجمع لحال اجتماعهم أدل على العظمة ، عبر بما يحتمل ذلك فقال : ( شفاعتهم ) أي عن أحد من الناس ) شيئاً ( فقصر الأمر ورده بحذافيره إليه بقوله : ( إلا ( ودل باثبات الجار على أنه مع ما يحده سبحانه لا مطلقاً فقال : ( من بعد أن يأذن ) أي يمكن ويريد ) الله ) أي الذي لا أمر لأحد أصلاً معه ، وعبر بأن والفعل دلالة على أنه لا عموم بعد الإذن بجميع الأوقات ، وإنما ذلك يجدد بعد تجدد الإذن على حينه وقبل الأمر الباب ؟ لعموم العظمة بقوله : ( لمن يشاء ) أي بتجدد تعلق مشيئته به لأن يكون مشفوعاً أو شافعاً .
ولما كان الملك قد يأذن في الشفاعة وهو كاره ، قال معلماً أنه ليس كأولئك : ( ويرضى ( فحينئذ تغني شفاعتهم إذا كانوا من المأذون لهم - كل هذا قطعاً لأطماعهم وعن قولهم بمجرد الهوى أي آلهتهم تشفع لهم .
ولما أخبر باتباعهم للهوى ونفى أن يكون لهم من ذلك ما يتمنونه دل على اتباعهم للهوى بقوله موضع ) أنهم ( : ( إن الذين ( وأكد تنبيهاً على أنه قول بالغ في العجب الغاية فلا يكاد يصدق أن عاقلاً بالآخرة يقوله بما جرى لهم على قولهم ذلك وأمثاله بقوله : ( لا يؤمنون ) أي لا يصدقون ولا هم يقرون ) بالآخرة ( ولذلك أكد قوله : ( ليسمون الملائكة ) أي كل واحد وهم رسل الله ) تسمية الأنثى ( بأن قالوا : هي بنات الله ، كما يقال في جنس الأنثى : بنات ) وما ) أي والحال أنهم ما ) لهم به ) أي بما سموهم به ، وأعرق في النفي بقوله : ( من علم ( ولما نفى علمهم شوف السامع إلى الحامل لهم على ذلك فقال : ( إن ) أي ما ) يتبعون ) أي بغاية ما يكون في ذلك وغيره ) إلا الظن ( .

الصفحة 325