كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 362
ولما كان استثناؤهم مفهماً إنجاءهم مع التجويز لإرسال شيء عليهم غير مقيد بما ذكر ، قال مستأنفاً جواباً لمن كأنه قال : ما حالهم : ( تجيناهم ) أي تنجيه عظيمة بالتدريج ، وذكر أول الشروع لإنجاءهم فقال : ( بسحر ) أي بآخر ليلة من الليالي وهي التي عذب فيها قومه ، فكأنه تنكيره لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها ، ولو قصدت سحر الليلة التي صبحت منها كان معرفة لا ينصرف ، والسحر : السدس الأخير من الليل : الوقت الذي يكون فيه الإنسان لا سيما النساء والأطفار في غاية الغفلة بالاستغراق في النوم ، ويفتح الله فيها أبواب السماء باذن الدعاء ليحصل منه الإجابة لأن الملوك إذا فتحو أبوابهم كان ذلك إذناً للناس في الدخول لقضاء الحوائج ، فالنزول وفتح الأبواب كناية عن ذلك - والله سبحانه وتعالى متعال عن حاجة إلى نزول أو فتح باب أو غير ذلك .
ولما كان المراد من الموعظين الطاعة التي هي سبب النجاة ، فلذا قال ذاكراً للإنعام معبراً عنه بغاية المقصود منه معرفاً أن انتقامه عدل ومعافاته فضل ، لأن أحداً لا يقدر أن يكافئ نعمه ولا نعمة منها ، معللاً للنجاة : ( نعمة من عندنا ) أي عظيمة غريبة جداً لشكرهم ، ولما كان كأنه قيل : هل هذا مختص بهم. . .
الإنجاء من بين الظالمين وهو مختص بهم ، أجاب بقوله : ( كذلك ) أي مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلنا جزاء لهم ) نجزي ( بقدرتنا وعظمتنا ) من شكر ) أي أوقع الشكر بجميع أنواعه فآمن وأطاع ليس. . .
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كائناً من كان من سوقه أو سلطان جائر شجاع أو جبان ، فاننا عليه بالإنجاء بعد هلاك عدوه ، قال القشيري : والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع ، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس فالآية من الاحتباك : ذكر الإنعام أولاً - لأنه السبب الحقيقي - دليلاً على حذفه ثانياً ، والشكر ثانياً - لأنه السبب الظاهر - دليلاً على حذفه أولاً .
ولما كان التقدير دفعاً لعناد. . .
استشارف السامع إلى ما كان من حاله ( صلى الله عليه وسلم ) معهم قبل العذاب : لقد بالغ في شكرنا بوعظهم ونصحهم ودعائهم إلنيا صرفاً لما أنعمنا به عليه من الرسالة في أتم مواضعه ، عطف عليه إيماء إليه قوله ، مؤكداً لأن تمادي المحذور من العذاب على الإقامة في موجبه يكاد أن لا يصدق : ( ولقد أنذرهم ) أي رسولنا لوط عليه السلام ) بطشتنا ) أي أخذتنا لهم المقرونة بشدة ما لنا من العظمة ، ووحد إشارة إلى أ ، ه لا يستهان بشيء من عذابه سبحانه بل الأخذة الواحدة كافية لما لنا من العظمة فهي غير محتاجة إلى التثنية ، ودل على أن إنذاره كان جديراً بالقبول لكونه واضح الحقيقة بما سبب عن ذلك من قوله : ( فتماروا ) أي تكلفوا الشك الواهي