كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 380
غاية البعد عن قابلية البيان فقال : ( من صلصال ) أي يابس له صوت إذا نقر عليه ) كالفخار ) أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار لانه أخذه من التراب ثم خلطه بالماء حتى صار طيناً ثم تركه حتى صار حماء مسنوناً مبيناً ، ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر عليه صوت صوتاً يعلم منه هل فيه عيب أم لا ، كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ومآله ، فالمذكور هنا غاية تخليقه وهو أنسب بالرحمانية ، وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة إنشاؤه ، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم ، فمن التراب جسده ونفسه ، ومن الماء روحه وعقله ، ومن النار غوايته وحدته ، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه .
ولما كان الجان الذي شمله أيضاً اسم الأنام مخلوقاً من العناصر الأربعة ، وأغلبها في جبلته النار ، قال تعالى : ( وخلق الجانّ ) أي هذا النوع المستتر عن العيون بخلق أبيهم ، وهو اسم جمع للجن .
ولما كان الجن يطلق على الملائكة لاستتارهم ، بين أنهم لم يرادوا به هنا فقال : ( من مارج ) أي شيء صاف خالص مضطرب شديد الاضطراب جداً والاختلاط ، قال البغوي : وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه ، وقال القشيري ، هو اللهب المختلف بسواد النار - انتهى .
ومرجت نارهم - أي اختلطت - ببرد الزمهرير .
ولما كان المارج عاماً في النار وغيرها ، بينه بقوله : ( من نار ( هي أغلب من عناصر ، فتعين المراد بذكر النار لأن الملائكة عليهم السلام من نور لا من نار ، وليس عندهم مروج ولا اضطراب ، بل هم في غاية الثبات على الطاعة فيما أمروا به ، وقد عرف بهذا كل مضطرب قدره لئلا يتعدى طوره .
ولما كان خلق هذين القبيلين على هذين الوجهين اللذين هما في غاية التنافي مستوراً أحدهما عن الآخر مع منع كل من التسلط على الآخر إلا نادراً ، إظهاراً لعظيم قدرته وباهر حكمته من أعظم النعم ، قال مسبباً عنه : ( فبأيَّ آلاء ربكما ) أي النعم الملوكية الناشئة عن مبدعكما ومربيكما وسيدكما ) تكذبان ) أي بنعمة البصر من جهة الوراء وغيرها من خلقكم على هذا النمط الغريب ، وإيداعكم ما أودعكم من القوى ، وجعلكم خلاصة مخلوقاته ، ومن منع أحد قبيليكم عن الآخر ، وتيسيره لكم الأرزاق والمنافع ، وحملكم على الحنيفية السمحة ، وقدرته على إعادتكم كما قدر على ابتدائكم .
ولما ذكر سبحانه هذين الجنسين اللذين أحدهما ظاهر والآخر مستتر ، إرشاداً إلى التأمل فيما فيهما من الدلالة على كمال قدرته ، فكانا محتاجين إلى ما هما فيه من