كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 383
ولما كان هذا أمراً باهراً دالاً دلالة ظاهرة على تمام قدرته لا سيما على الآخرة ، قال مسبباً عنه : ( فبأيَّ آلاء ربكما ) أي الموجد لكما والمربي ) تكذبان ) أي بنعمة الإبصار من جهة اليسار أيو غيره ، فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلمكم بهذه البرازخ أن موتتكم هذه برزخ وفصل بين الدنيا والآخرة كالعشاء بين الليل والنهار ، ولو استقر أتم ذلك في آيات السماوات والأرض وجدتموه شائعاً في جميع الأكوان .
ولما ذكر المنة بالبحر ذكر النعمة بما ينبت فيه كما فعل بالبر ، فقال معبراً بالمبني للمفعول لأن كلاً من وجوده فيه والتسليط على إخراجه منه خارق من غير نظر إلى مخرج معين ، والنعمة نفس الخروج ، ولذلك قرأ غير نافع والبصريين بالبناء للفاعل من الخروج : ( يخرج منهما ) أي بمخالطة العذب الملح من غير واسطة أو بواسطة السحاب ، فصار ذلك كالذكر والأنثى ، قال الرازي : فيكون العذب العذب كاللقح للملح ، وقال أبو حيان : قال الجمهور : إنما يخرج من الإجاج في المواضع التي يقع فيها الأنهار والمياه العذبة فناسب إسناد ذلك إليهما ، وهذا مشهور عند الغواصين ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة مولاه رضي الله عنه : تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر - انتهى .
فتكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر البحر كالجسد الغاذي ، والدليل على أنه من ماء المطر كما قال الأستاذ حمزة الكرماني : إن من المشهور أن السنة إذا أجدبت هزلت الحيتان ، وقلت الأصداف والجواهر - انتهى .
ثم لا شك في أنهما وإن كانا بحرين فقد جمعها وصف واحد بكونهما ماء ، فيسوغ إسناد الخروج إليهما كما يسند خروج الإنسان إلى جميع البلد ، وإنما خرج من دار منها كما نسب الرسل إلى الجن والإنس بجمعهما في خطاب واحد فقال :
77 ( ) رسل منكم ( ) 7
[ الأنعام : 130 ] وكذا
77 ( ) وجعل القمر فيهن نوراً ( ) 7
[ نوح : 16 ] ومثله كثير ) اللؤلؤ ( وهو الدر الذي هو في غاية البياض والإشراق والصفاء ) والمرجان ) أي القضبان الحمر التي هي في غاية الحمرةن فسبحان من غاير بينهما في اللون والمنافع والكون - نقل هذا القول ابن عطية عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وقال : وهذا هو المشهور الاستعمال - انتهى ، وقال جمع كثير : إن اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره .
ولما كان ذلك من جليل النعم ، سبب عنه قوله : ( فبأيِّ آلاء ربكما ) أي المالك لكما الذي هو الملك الأعظم ) تكذبان ( مع هذه الصنائع العظمى ، أبنعمة البصر من جهة الفوق أو غير ذلك من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها وإخراج الحلي الغريبة وغيرها .