كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 411
الله عنها والطبراني في الأوسط من وجه عنها ، ومن وجه آخر عن أنس رضي الله عنه ، قال شيخنا حافظ عصره ابن حجر : وكل طرقه ضعيفة ، وروى البغوي أيضاً من طريق الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في هذه الآية قال : ( عجائزكن في الدنيا عمشاً رمصاً فجعلهن أبكاراً ) .
ولما كان هذا الوصف البديع مقتضياً لما يزدهي عنه النفس لأن يقال : لمن هؤلاء ؟ وإن كان قد علم قبل ذلك ، نبه عليه بقوله تعالى : ( لأصحاب اليمين ( ويجوز أن يتعلق ب ) أتراباً ( نصاً على أنهن في أسنان أزواجهن .
ولما أنهى وصف ما فيه أهل هذا الصنف على أنهى ما يكون لأهل البادية بعد أن وصف ما للسابقين بأعلى ما يمكن أن يكون لأهل الحاضرة ، وكان قد قدم المقايس في السابقين بين الأولياء والآخرين ، فعل هنا كذلك فقال : ( ثلة من الأولين ) أي من أصحاب اليمين ) وثلة ) أي منهم ) من الآخرين ( فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة ، والظاهر أن الآخرين أكثر ، فإن وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة ، فإنهم عشرون ومائة صف ، هذه الأمة منهم ثمانون صفاً .
) ولما أتم وصف ما فيه الصنفان المحمودان ، وبه تمت أقسام أصحاب الميمنة الأربعة الذين هم أصحاب القلب واليمين ، اتبعه أضدادهم فقال : ( وأصحاب الشمال ) أي الجهة التي تتشاءم العرب بها وعبر بها عن الشيء الأخس والحظ الأنقص ، والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما كان أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة ، ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال : ( ما أصحاب الشمال ) أي إنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه .
ولما ذمهم وعابهم ، ذكر عذابهم ليعلم أن القسم الأشد منهم في الشؤم أشد عذاباً فقال : ( في سموم ) أي ظرفهم المحيط بهم لفح من لفح النار شديد يتخلل المسام ) وحميم ) أي ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم .
ولما كان للتهكم في القلب من شديد الوقد ما يجل عن الوصف والحد قال : ( وظل ( ثم أتبعه ما صرح بأنه تهكم فقال : ( من يحموم ) أي دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد بما أفهمته الزيادة وشبه صيغة المبالغة : ولما كان المعهود من الظل البرد والإراحة ، نفى ذلك عنه فقال : ( لا بارد ( ليروح النفس ) ولا كريم ( ليؤنس به ويلجأ إليه ويرجى خيره ويعول في حال عليه بأن يفعل ما يفعله الواسع الخلق الصفوح من الإكرام ، بل هو مهين ، سماه ظلاًّ لترتاح النفس إليه ثم نفى عنه نفع الظل وبركته لينضم حرقان : اليأس بعد الرجاء إلى إخراق اليحموم فتصير الغصة غصتين .

الصفحة 411