كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 436
ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره ، ومن بطن لشيء غاب عنه علمه ، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء ، وفي بطونه بحيث ليس دونه شيء ، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة ، أعلم نتيجة ذلك فقال : ( وهو بكل شيء عليم ) أي لكون الأشياء عنده على حد سواء ، والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق ، وأما هو سبحانه فلا باطن من الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم ، وهذا معنى ما قال البغوي رحمه الله تعالى : سأل عمر رضي الله عنه كعباً عن هذه الآية فقال : معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر ، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن - انتهى .
لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه .
ولما كان الصانع للشيء عالماً به ، دل على علمه ومنا تقدم ومن تقدم من وصفه بقوله : ( هو ) أي وحده ) الذي خلق السموات ( وجمعها لعلم العرب بتعددها ) والأرض ) أي الجنس الشامل للكل ، أفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها ) في ستة أيام ( سناً للتأني وتقريراً للأيام التي أوترها سباعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه ) الجمعة ( على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات - انتهى .
ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة قدرته وعلمه ، وكان ذلك هو روح الملك ، دل عليه منبهاً على عظمته بأداة التراخي فقال : ( ثم استوى ) أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد العناية ) على العرش ( المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما دونه ومن دونه لتصور للعباد الملك ، بمعنى أنه انفر بالدبير ، وقد لا يكون هناك سرير فضلاً عن جلوس .
ولما كان المراد بالاستواء الانفراد بالتدبير ، وكان التدبير لا يصح إلا بالعلم والقدرة ، كشفه بقوله دالاًّ على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا : ( يعلم ما يلج ) أي يدخل دخولاً يغيب به ) في الأرض ) أي من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيداً من العرش ، فإن الأماكن كلها بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد ) وما يخرج منها ( كذلك ، وفي التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما .
ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيهاً على التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم ، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميماً للعمل بسائر الخلق فقال : ( وما ينزل من السماء ( ولم يجمع لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل ، وذلك من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرهما من الأعيان

الصفحة 436