كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 437
والمنافع التي يوجدها سبحانه من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم ) وما يعرج ) أي يصعد ويرتقي ويغيب ) فيها ( كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها .
ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه لبعده عنه ، عرف أنه لا مسافة أصلاً بينه وبين شيء من الأشياء فقال : ( وهو معكم ) أي أيها لاثقلان المحتاجان إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن القرب ) أين ما كنتم ( فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعالياً عن اتصال بالعلم ومماسة ، أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة ، قال أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان : لفظ ( مع ) لا يقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر لقوله
77 ( ) اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ( ) 7
[ التوبة : 119 ] وقوله : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ( ولفظ ( مع ) جاءت في القرآن عامة وخاصة ، فالعامة
77 ( ) ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ( ) 7
[ المجادلة : 7 ] فافتتح الكلام بالعلم واختتمه بالعلم ، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل : هو معهم بعلمه ، وأما المعية الخاصة فقوله تعالى :
77 ( ) إن الله مع الذين اتقوا والذين هزم محسنون ( ) 7
[ النحل : 128 ] وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام :
77 ( ) إنني معكما أسمع وأرى ( ) 7
[ طه : 46 ] وقال :
77 ( ) إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ( ) 7
[ التوبة : 40 ] يعني النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ، فهو دون أبي جهل وغيره من أعدائه ، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين ، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام ، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك ، وقوله تعالى :
77 ( ) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ( ) 7
[ الزخرف : 84 ] أي هو إله في الماء وإله في الأرض كما قال تعالى :
77 ( ) وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ( ) 7
[ الروم : 27 ] وكذلك في قوله تعالى : ( وهو الله في السماوات وفي الأرض ( كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض .
ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن ، عبر في أمرها باسم الذات دلالة على شمولها بالعلم والقدر وتنبيهاً على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته فقال : ( والله ) أي المحيط بجميع صفات الكمال ، وقدم الجارّ لمزيد الاهتمام والتنبيه على تحقق الإخاطة كما مضى التنبيه عليه غير مرة وتمثيله بنحو : أعرف فلاناً ولا أعرف