كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 490
كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع إذا عرضت لأحد الاثنين حاجة قال : ( ولا خمسة ) أي من نجواهم ) إلا هو سادسهم ( كذلك ، فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا كان هو سبحانه شافع وتريته ، وأما وتريته هو سبحانه فقد كانت ولا شيء معها أصلاً ، وستكون ولا حي معها ، فلا وتر في الوجود على الحقيقة غيره .
ولما علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة بالعلم ، عم بقوله : ( ولا أدنى ( فبدأ بالقليل لأنه قبل الكثير وهو أخفى منه ) من ذلك ) أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة لاذي بعيد عن رتبته وإن كان قد شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها .
ولما كان العلم بالكثير أعسر من أجل النتشاره قال : ( ولا ) أي يكون من نجوى ) أكثر ) أي من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية - هذا التقدير على قراءة الجماعة بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من ) نجوى ( ) إلا هو معهم ) أي يعلم ما يجري منهم وبينهم ، ويلزم من إحاطة علمه إحاطة قدرته كما تقدم في طه لتكمل شهادته .
ولما كان العموم في المكان يستلزم العموم في الزمان ، وكان المكان أظهر في الحس قال : ( أين ما ) أي في أيّ مكان ) كانوا ( فإنه لا مسافة بينه وبين شيء من الأشياء لأنه الذي خلق المسافة ، وعلمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوه على ما هو عليه من صفات الكمال ، قال الرازي : ما فارق الأكوان الحق ولا قارنها ، كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها ومظهرها ، وكيف يقارن الحدث القدم وهو به قوام الكلم ، وهو القيوم على الكل - انتهى .
والحاصل أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء من العالم وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم ، وهو شاهد لذلك كله حفظاً وعلماً وإحاطة وحضوراً ، وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيا بالروح ، فلا يبقى جزء منه إلا وهو محفوظ بالروح يحس بسبها وهو سبحانه لا يحجب علمه ولا شيئاً من صفاته حجاب ، فقد صحت المعية وهو بحيث لا يحيويه المكان ولا يحصره العد ، يقبض الملخوق ويبسطه ، لا يصعد المخلوق ولا صفته ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته ، إنما له من المكان المكانة ، ومن العلم العلا ، ومن الأسماء والصفات مقتضاها - أشار إلى لك ابن برجان وقال : ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من التحقيق ما نحن بسبيل تبيانه ما قدر له ، ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به ثم الملائكة أرفع قدراً ومكانة ، بل إن الروح من جميع الجملة التي تحمله ، به حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإن الله خالقه ،

الصفحة 490