كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 492
ولما كان هذا الدليل أيضاً تتعذر الإحاطة به ، قال دالاًّ عليه بأمر جزئي واقع بعلم المحدث عنه حقيقة ، فإن عاند بعده سقط عنه الكلام إلا بحد الحسام : ( ألم تر ) أي تعلم علماً هو كالرؤية ، ودل على سفول رتبه المرئي بإبعاده عن أعلى الناس قدراً بحرف الغاية فقال : ( إلى الذين ( ولما كان العاقل من إذا زجر عن شيء انزجر حتى يتبين له أنه لا ضرر عليه في فعل ما زجر عنه ، عبر بالبناء للمفعول فقال : ( نهوا ) أي من ناه ما لا ينبغي للمنهي مخالفته حتى يعلم أنه مأمون الغائلة ) عن النجوى ) أي الإسرار لإحلال أنفسهم بذلك في محل التهمة بما لا يرضى من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - كما قال أبو العلاء المعري :
والخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها من الكدر
ولما كان الناهي هو الله ، فكان هذا للنهي أهلاً لأن يبعد منه غاية البعد ، عبر بأداة التراخي فقال : ( ثم يعودون ) أي على سبيل الاستمرار لأنه إذا وقعت مرة بادروا إلى التوبة منها أو فلتة وقعت معفواً عنها ) لما نهوا عنه ) أي من غير أن يعدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عدة ) ويتناجون ) أي يقبل جميعهم على المناجاة إقبالاً واحداً ، فيفعل كل منهم ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على سبيل الاستمرار ، وقراءة حمزة ) وينتجون ( بصيغة الافتعال يدل على التعمد والمعاندة ) بالإثم ) أي بالشيء الذي يكتب عليهم به الإثم بالذنب وبالكذب وبما لا يحل .
ولما ذكر المطلق أتبعه المقيد بالشدة فقال : ( والعدوان ) أي العدو الذي هو نهاية في قصد الشر بالإفراط في مجاوزة الحدود .
ولما كان ذلك شراً في نفسه أتبعه الإشارة إلى أن الشيء يتغير وصفه بالنسبة إلى من يفعل معه فيكبر بكبر المعصي فقال : ( ومعصيت الرسول ) أي الذي جاء إليهم من الملك الأعلى ، وهو كامل الرسلية ، لكونه مرسلاً إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان ، فلا نبي بعده ، فهو لذلك يستحق غاية الإكرام .
ولما أنهى تعظيم الذنب إلى غايته آذن بالغضب بأن لفت الكلام إلى الخطاب فقال : ( وإذا جاؤوك ( أيها الرسول الأعظم الذي يأتيه الوحي ممن أرسله ولم يغب أصلاً عنه لأنه المحيط علماً وقدرة ) حيوك ) أي واجهوك بما يعدونه تحية من قولهم : السام عليك ونحوه ، وعم كل لفظ بقوله : ( بما لم يحيك به الله ) أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه فمن تجاوز ما شرعه فقد عرض نفسه لسخطه ، ومما دخل فيه قوله بعض الناس لبعض ( صباح الخير ) ونحوه معرضاً عن السلام .
ولما كان المشهور عنهم أنهم يخفون ذلك جهدهم ويعلنون بإملاء الله لهم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا يطلع عليه ، وإن اطلع عليه لم يقدر على أن ينتقم منهم ، عبر عن ذلك بقوله : ( ويقولون ) أي عند