كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)
صفحة رقم 499
تريدون أن ترتفعوا به ) صدقة ( تكون لكم برهاناً قاطعاً على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان ، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق بالله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وبكل ما جاء به عن الله تعالى ، ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، ولذلك استأنف قوله : ( ذلك ) أي الخلق العالي جداً من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق ، ولعله أفرده بالخطاب لأأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره .
وعاد إلى الأول فقالك ) خير لكم ) أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة ) وأطهر ( لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير ، ولذلك سميت زكاة ) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله بالإيمان .
ولما أمر بذلك ، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده لا سيما هذه الأمة قال : ( فإن لم تجدوا ) أي ما تقدمونه .
ولما كان المعنى الكافي في التخفيف : فليس عليكم شيء ، دل عليه بأحسن منه فقال : ( فإن الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال ، وأكده لاستبعاد مثله فإن المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه أصلاً ورأساً ، ولا سيما إن كان يسيراً ، ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة بقوله : ( غفور رحيم ) أي له صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف ، وهذه الآية قيل : إنها نسخت قبل العمل بها ، وقال علي رضي الله عنه : ما عمل بها أحد غيري ، أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم ، ثم ظهرت فشق ذلك على الناس ، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة ، وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال : حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي رضي الله عنه أنه قال : لما نزلت قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( مرهم أن يصدقوا ) قلت : بكم يا رسول الله ؟ قال : ( دينار ) ، قلت : لا يطيقون .
قال : ( فنصف دينار ) ، قلت : لا يطيقون ، قال : فبكم ؟ قلت : بشعيرة : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إنك لزهيد ) ، فأنزل الله تعالى ) أأشفقتم ( الآية .
وكان عليه رضي الله عنه يقول : بي خفف الله عن هذه الأمة .
وعدم عمل غيره