كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 501
فتهملوه ، فالصلاة نور تهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية ، وتعين على نوائب الدارين ، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة .
ولما خص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية ، عم فقال حاثاً على زيادة النور والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون المناجاة عن أعظم إقبال وإنفاق فقال : ( وأطيعوا الله ) أي الذي له الكمال كله فلم يشركه في إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد ) ورسله ( الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمر به فإنه ما أمركم لأجل إكرام رسولكم ( صلى الله عليه وسلم ) إلا بالحنيفية السمحة ، وجعل المحافظة على ذلك قائمة مقام ما أمركم به ، ثم نسخه عنكم من تقديم الصدقة على النجوى .
ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع فيه تفريط ، فكان ذلك ربما جرى على انتهاك الحرمات ، رهب من جنابه بإحاطة العلم ، وعبر بالخبر لأن أول الآية وبخ على أمر باطن ولم يبالغ بتقديم الجار لما فيها من الأمور الظاهرة .
فقال عاطفاً على ما تقديره : فالله يحب الذين يطيعون : ( والله ) أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ) خبير بما تعملون ) أي تجددون عمله ، يعلم بواطنه كما يعلم ظواهره .
ولما أخبر بإحاطة علمه ردعاً لمن يغتر بطول حلمه ، دل على ذلك باطلاعه على نفاق المنافقين الذي هو أبطن الأشياء ، فقال معجباً مرهباً معظماً للمقام بتخصيص الخطاب بأعلى الخلق ( صلى الله عليه وسلم ) تنبيهاً على أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره : ( ألم تر ( ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال : ( إلى الذين تولوا ) أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلونا أولياءهم الذين ينزلون بهم أمورهم ) قوماً ( ابتغوا عندهم العزة اغتراراً بما يظهر لهم منهم من القوة ) غضب الله ) أي الملك الأعلى الذي لا ند له ) عليهم ) أي على المتولين والمتولَّين لأنهم قطعوا ما بينهم وبينه ، والأولون هم المنافقون تولوا اليهود ، وزاد في الشناعة عليهم بقوله مستأنفاً : ( ما هم ) أي اليهود المغضوب عليهم ) منكم ( أيها المؤمنون لتوالوهم خوفاً من السيف ورغبة في السلم ) ولا منهم ) أي المنافقين ، فتكون موالاتهم لهم لمحبة سابقة وقرابة شابكة ، ليكون ذلك لهم عذراً ، بل هم مذبذبون ، فهم مع المؤمنين بأفواقهم ، ومع الكفار بقلوبهم ، فما تولوهم إلا عشقاً في النفاق لمقاربه ما بينهم فيه ، أو يكون المعنى : ما المنافقون المتولون من المسلمين ولا من اليهود المتولين ، وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء الحالم على كل رذيلة ، فقال ذاكراً لحالهم في هذا الاتحاد : ( ويحلفون ) أي المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار ، ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجرأة على استمرارهم على الإيمان الكاذبة بأن التقدير : مجترئين ) على الكذب ( في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام ، فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان .

الصفحة 501