كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 504
دار الجزاء ، قال نافياً لذلك معزياً للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق الأمور ، لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه ، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك عنها ، ولا ينفعهم ذلك ، ذاكراً ظرف الخلود وإظهار التعذيب : ( يوم يبعثهم الله ) أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا قبله ) جميعاً ( لا يترك أحداً منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان عليه قبل موته ) فيحلفون ) أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون ) له ) أي الله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، ونحوه من الأكذوبات التي تزيدهم ضرراً ، ولا تغني عنهم شيئاً بوجه من الوجوه ، جرياً على ما طبعوا عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها ) كما يحلفون ( في الدنيا ) لكم ( لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه : قال القشيري : عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية ، وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم .
ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة علمه سبحانه ، عبر بالحسبان ، فقال دالاًّ على أنهم في الغاية من الجهل وقلة العقل : ( ويحسبون ) أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة ) أنهم على شيء ) أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت في الدنيا تنجيهم .
ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخبراتهم ولا في أيمانهم ولا في حسبانهم ، قال منادياً عليهم مؤكداً لتكذيب حسبانهم : ( ألا إنهم ) أي خاصة ) هم الكاذبون ) أي المحكومون بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يتسحيون من الكذب عند الله .
ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع عاقل فيه مرة من الدهر ، فضلاً عن ملازمته ، أخبر عن الحامل لهم عليه ، فقال مستأنفاً : ( استحوذ ) أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ويستولي ) عليهم الشيطان ( مع أنه طريد ومحترق ، ووجد منه جميع ذلك ، ووصل منهم إلى ما يريده ، وملكهم ملكاً لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وأقطاعهن ، وصار هو محيطاً بهم من كل جهة ، غالباً عليهم ظاهراً وباطناً ، من قولهم : حذت الإبل أي استوليت عليها ، وحاذ الحمال العانة - إذا جمعها وساقها غالباً لها ، والحوذ : السوق السريع ، ومنه

الصفحة 504