كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 7)

صفحة رقم 508
أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ، بل هو عين الإخلاص ، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعاً في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه .
ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة ، أخبر بما يؤتيهم في الآخرة فقال : ( ويدخلهم جنات ) أي بساتين يستر داخلها من كثرة أشجارها ، وأخبر عن ريها بقوله : ( تجري ( ولما كانت المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر ، أثبت الجار فقال : ( من تحتها الأنهار ) أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار .
ولما كان ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال : ( خالدين فيها ( .
ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال : ( رضي الله ) أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره ) عنهم ( ولما كان ذلك لا يكمل سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال : ( ورضوا عنه ) أي لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون .
ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله : ( أولئك ) أي الذين هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علماً منهم بأنه ليس النفع والضر إلا بيده ) حزب الله ) أي جند الملك الأعلى الذي أحاط بجميع صفات الكمال وأولياءه ، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم .
ولما تبين مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير ، قال على طريق الإنتاج مما مضى مؤكداً لما لأضدادهم من الأنكاد : ( إلا إن حزب الله ) أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم ) هم ) أي خاصة لا غيرهم ) المفلحون ) أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين ، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد ، خصهم بذلك لأن له العزة والقوة والعلم والحكمة ، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها إكراماً لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه مرضى عنه ، وحرم الظهار بسبب شكواها لأنها من حزبه وسمع لها ، ومن سمع له فهو تشبيه خارج عن قادة التشبيهات ، وفيه امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل الافتراش ، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو من حزب الشيطان ، فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن سبيل ، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها ، ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه ، فسبحان من أنزله آية دائمة البيان ، موجبة للإيمان ، قامعة للطغيان ، على مدى الدهور وتطاول الأزمان .
.. .

الصفحة 508