كتاب التفسير الوسيط - مجمع البحوث (اسم الجزء: 9)

المتقدمين، ويغرق التابعين، فمعنى (متبعون): يتبعكم فرعون وجنود، ليلحقوا بكم فيغرقوا، فإن الله - تعالى - قدر عليهم الغرق، قال القرطبي: وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو فيتخذ الليل سترًا مسدلا فهو من أستار الله تعالى، وإما من خوف المشقة على الدواب والأَبدان بحرٍّ أو جدب فيتخذ السرى لذلك، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرى ويُدلج، ويترفق ويستعجل بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سافرتم في الخِصْب فأَعطوا الإبل حظَّها من الأَرض، وإذا سافرتم في السَّنةِ (¬1) فبادروا بها نِقْتها (¬2)، ولهذه المعانى ذكر الليل، مع أَن السرى لا يكون إلاَّ ليلًا، وليدل ذكره على أَن ذلك كله وقع في جزء من الليل. {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} هذا تعليم لموسى - عليه السلام - بما يفعله في سيره قبل أن يسير، وقبل أَن يلج البحر، وعبارة الخطيب: "واترك البحر" أَي: إذا سرت بهم، وتبعك العدوّ ووصلت البحر، وأَمرناك بضربه بالعصا ودخلتم فيه ونجوتم منه فاتركه بحاله، ولا تضربه بعصاك ليلتئم، بل أَبقه على حاله ليدخله فرعون وقومه فينطبق عليهم، وقيل: كان ذلك الأَمر بعد أن خرج من البحر وأَراد أَن يضربه ليلتئم.
والمعنى: واترك البحر بعد ولوجك فيه وخروجك منه - اتركه - مفتوحًا أَو ساكنًا ثابتا على هيئته عند دخولك فيه، ليلجه فرعون وقومه خلفكم فيغرقوا {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} أَي: أَنهم جماعة قدر الله عليهم الغرق في البحر، عقوبة لهم على عنادهم وإصرارهم على الكفر، وتماديهم في التجبر والضلال.
27،26،25 - {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}:
هذه الآيات انتقال بالحديث عما وقع لفرعون وقومه من عذاب وجزاء بالإغراق - انتقال من ذلك - إلى خسارتهم ما كانوا فيه من نعمة وشرف، تعظيمًا لعقابهم.
¬__________
(¬1) السنة: الجدب.
(¬2) نقتها - بكسر النون وسكون القاف منها - ومعناه: أسرعوا في السير بالإبل لتصلوا إلى المقصد وفيها بقية من قوتها.

الصفحة 855