كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 17)
"""""" صفحة رقم 107 """"""
كان راهب في الفترة يقال له برصيصا ، قد تعبد في صومعة له سبعين سنة ، لم يعص الله فيها طرفة عين ، وإن إبليس أعياه في أمره الحيل ، فلم يستطع له بشئ ، فجمع ذات يوم مردة الشياطين ، فقال : ألا أحد منكم يكفينى أمر برصيصا ؟ فقال الأبيض ، وهو صاحب الأنبياء ، وهو الذي تصدى لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجاءه في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحى ، فجاء جبريل حتى دخل بينهما ، فدفعه بيده دفعة هينة ، فوقع من دفعة جبريل إلى أقصى الهند . فقال الأبيض لإبليس : أنا أكفيك . فانطلق فتزين بزينة الرهبان ، وحلق وسط رأسه ، ثم مضى حتى أتى صومعة برصيصا ، فناداه ، فلم يجبه برصيصا ، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في عشرة أيام ، ولا يفطر إلا في عشرة أيام ، فكان يواصل الصوم الأيام العشرة والعشرين والأكثر ، فلما رأى الأبيض أنه لايجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته ، فلما آنفتل برصيصا اطلع من صومعته ، فرأى الأبيض قائما منتصبا يصلى في هيئة حسنة من هيئة الرهبان . فلما رأى ذلك من حاله تدبر في نفسه حين لهى عنه فلم يجبه ، فقال له : إنك ناديتنى وكنت مشغولا عنك ، فحاجتك ؟ قال : حاجتى أني أحببت أن أكون معك فأنادب بك ، واقتبس من علمك ، ويجتمع على العبادة ، فتدعو لي وأدعو لك ؛ قال : إني لفى شغل عنك ، فإن كنت مؤمنا فإن الله عز وجل سيجعل لك فيما أدعوه للمؤمنين والمؤمنات نصيبا إن آستجاب لي . ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض ، فأقبل الأبيض يصلى ، فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها ، فلما انفتل رآه قائما يصلى ، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده ، وكثر تضرعه وابتهاله إلى الله عز وجل كلمة ، وقال له : حاجتك ؟ قال : حاجتى أن تأذن لي فأرتفع إليك . فأذن له ، فارتفع في صومعته ، فأقام الأبيض معه حولا يتعبد ، لا يفطر الا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلا في كل أربعين يوما مرة ، وربما مد إلى الثمانين ؛ فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه ، وأعجبه شأنه ، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا : إني منطلق ، فإن لي صاحبا غيرك ، ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى ، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت . قال : فدخل على برصيصا أمر عظيم ، وكره مفارقته للذي رأى من شدة آجتهاده ، فلما ودعه قال له الأبيض : إن عندى دعوات أعلمكها تدعو بهن ، فهن خير لك مما أنت فيه ، يشفى الله بها السقيم ، ويعافى بها المبتلى والمجنون ؛ قال برصيصا : انى أكره هذه المنزلة ، لأن لي في نفسى شغلا ، وإنى أخاف إن علم بهذا الناس شغلونى عن العبادة ؛ فلم يزل به الأبيض حتى علمه . ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال : قد والله أهلكت الرجل . قال : فانطلق الأبيض