كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 18)

"""""" صفحة رقم 87 """"""
والآخر - ما قال الضحاك وجماعة من أهل المعاني : إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، معناه إنّي رافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا ، ومتوفّيك بعد أن أنزلك من السماء . وقال أبو بكر بن محمد بن موسى الواسطيّ : معناه " إنّي متوفّيك " عن شهواتك وحظوظ نفسك . قال : وذلك أنه لمّا رفع إلى السماء صار حاله حال الملائكة . وقوله : " ورافعك إليّ " قال البنانيّ والشّيبانيّ : كان عيسى عليه السلام على طور زيتا فهبّت ريحٌ ، فهرول عيسى ، فرفعه الله عزّ وجلّ في هرولته ، وعليه مدرعة من شعر . وقيل : معناه ورافعك بالدرجة في الجنة ، ومقرّبك إليّ بالإكرام .
وقوله : " ومطهّرك من الّذين كفروا " أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم . وقوله : " وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة " قال قتادة والربيع والشّعبيّ ومقاتل والكلبيّ : هم أهل الإسلام الذين اتبعوا دينه وسنّته من أمّة محمد صلى الله علسه وسلم ، فوالله ما اتبعه من دعاه ربًّا . " فوق الّذين كفروا " ظاهرين قاهرين بالعزّ والمنعة والدليل والحجّة . وقال الضحاك وعليّ ومحمد بن أبان : يعني الحواريين فوق الذين كفروا . وقيل : هم الرّوم . وقال ابن زيد : وجاعل النصارى فوق اليهود ، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق اليهود ، واليهود مستذلّون مقهورون . قال : وعلى هذين القولين يكون معنى الاتباع : الادّعاء والمحبة لا اتباع الدّين والملّة . " ثمّ إليّ مرجعكم " أي في الآخرة . " فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون " أي من الدّين وأمر عيسى . قوله : " فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا " بالقتل والسّبي والجزية والذّلّة . " والآخرة " بالنار . " وما لهم من ناصرين " . قوله : " وأمّا الّذين آمنوا " الآية ظاهرة المعنى . قوله : ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم " أي هذا الذي ذكرته لك ، قال النبيّ ( صلى الله عليه وسلم ) : " هو القرآن " . وقيل : هو اللّوح المحفوظ ، وهو معلّق بالعرش ، من درّة بيضاء ، و " الحكيم " هو المحكم من الباطل ؛ قاله مقاتل . وقال ابن إسحق : أي القاطع الفاضل ، الحقّ الذي لا يخالطه الباطل ، من الخبر عن عيسى ، وعما اختلفوا فيه من أمره ، فلا تقبلنّ خبرا غيره . فقال : " إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون . الحقّ من ربّك فلا تكن من الممترين " أي قد جاءك الحقّ فلا تمترينّ فيه ، وإن قالوا

الصفحة 87