كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 18)
"""""" صفحة رقم 88 """"""
خلق عيسى من غير ذكر ، فقد خلقت آدم من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر ؛ فكان لحمًا ودمًا وعظمًا وشعرًا وبشرًا ، كما كان عيسى ، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا .
ثم قال تعالى : " فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم " أي من بعد ما قصصت عليك من خبره " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " قوله : " نبتهل " أي نتضرع في الدعاء . وقيل : نخلص في الدعاء . وقيل : نجتهد ونبالغ فنقول لعن الله الكاذب منّا ومنكم . قال ابن إسحاق : " إنّ هذا " الذي جئت به من الخبر عن عيسى " لهو القصص الحقّ " من أمره . " وما من إلهٍ إلاّ الله وإنّ الله لهو العزيز الحكيم . فإن تولّوا " أي إن أعرضوا عن الإيمان " فإنّ الله عليمٌ بالمفسدين " أي الذين يعبدون غير الله تعالى ، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله .
ثم قال تعالى : " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتّخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون " فدعاهم إلى النّصف ، وقطع عنهم الحجّة ، قال فلما أتى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الخبر من الله عزّ وجلّ عن عيسى ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم إن ردّوا ذلك عليه ، دعاهم إلى ذلك ؛ فقالوا ، يا أبا القاسم ، دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ، فانصرفوا عنه ، ثم خلوا بالعاقب ، فقالوا : يا عبد المسيح ، ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمدًا لنبيٌّ مرسلٌ ، لقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لا عن قومٌ نبيًّا قطّ فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم لو فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ، ثم انصرفوا إلى بلادكم . فأتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا ألاّ نلاعنك ، وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ، ترضاه لنا ، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا ، فإنكم عندنا رضًا .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ائتوني العشيّة أبعث معكم القويّ الأمين " فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : ما أحببت الإمارة قطّ حبّي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فخرجت إلى الظّهر