كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 8)

وأطراف النهار، ويقول إنه ستسنده وتنصره السبع المثانى وهى آيات سورة الفاتحة السبع التى يرددها كل يوم فى صلواته، وكذلك السور السبع الطوال من البقرة إلى نهاية التوبة بحسبان التوبة والأنفال سورة واحدة، ولهذا لم يفصل بينهما فى المصحف بالبسملة. ويجعله الجوهرة الواسطة أو الوسطى لسلك أو عقد يضم جواهر العلم والدين والدنيا وينوه بإحكامه لتدبيره السياسى. وكان سيوسا وعالما بالعربية وبالحديث ويقال انه كان يحفظ البخارى بأسانيده وجمع من كتب الفلسفة ما اجتمع للحكم المستنصر الأموى قبله، واتخذ الفيلسوف ابن طفيل جليسه ووزيره، وهو الذى نبّهه-كما مرّ فى الفصل السالف-إلى ابن رشد. وخلفه ابنه المنصور يعقوب الطائر الصيت (580 - 595 هـ‍.) وفى أيامه شرع فى بنيان مدينة الرباط إلى أن أتم سورها ومسجدها وكثيرا من قصورها، وفى سنة 590 نقض ألفونس ملك قشتالة العهد الذى بينه وبين الموحدين وأخذت خيله تغير على أطراف دولتهم فى الأندلس، فعبر إليه الزقاق فى جمادى الآخرة سنة 591 بجموع عظيمة نزل بها فى إشبيلية. وأخذ يعد العدة للقاء ألفونس وجنده، وتجهز ألفونس للقائه بدوره، والتقى الجمعان فى الثالث من شعبان فى الأرك بالقرب من قلعة رباح، فأنزل الله نصره على يعقوب، وسحق المسلمون أعداءهم ودقوا أعناق ستة وأربعين ألفا منهم، وأسروا ثلاثين ألفا، وفرّ ألفونس ومن بقى من جموعه على وجوههم إلى طليطلة وفرائصهم ترتعد رعبا وفزعا، وكان حريا بالمنصور أن يتعقبهم إلى طليطلة ويستنزلهم منها، غير أنه صنع ما صنعه يوسف بن تاشفين فى موقعة الزلاقة، فاكتفى بهذا النصر المبين، وقد تغنى به الشعراء، ومن أروع قصائدهم قصيدة على بن حزمون المرسى من وزن المتدارك ويستهلها بقوله مخاطبا المنصور (¬1):
حيّتك معطّرة النّفس … نفحات الفتح بأندلس
فذر الكفار ومأتمهم … إن الإسلام لفى عرس
أإمام الحقّ وناصره … طهّرت الأرض من الدّنس
وصدعت رداء الكفر كما … صدع الدّيجور سنا قبس (¬2)
ومضى يصور فى القصيدة هزيمتهم الماحقة وما سقيت به الوهاد والتلال من دمائهم، ويملؤهم هلعا قائلا إن خيل المنصور وراءهم وقد ملأ التوحيد أعنّتها وأغار بها روح
¬_________
(¬1) القصيدة بتمامها فى المعجب ص 370 وما بعدها.
(¬2) الديجور: الظلمة. قبس: ضوء.

الصفحة 184