المسيح بن مريم. وحين وقعت البطاقة فى يده أمر أن يدعى له بمن فيها، فهتف الهاتف:
يونس بن متى والمسيح بن مريم وكرّر الهاتف النداء خارج مجلس القاضى ولا مجيب إلى أن صاح ابن الشمر: إن نزولهما من علامات الساعة! وتناول بطاقة وكتب فيها مع بيتين آخرين:
يخامر ما تنفكّ تأتى بفضحة … دعوت ابن متّى والمسيح بن مريما
قفاك قفا جحش ووجهك مظلم … وعقلك ما يسوى من البعر درهما
فتألب الفقهاء على يخامر وأجمعوا على ذمه والقدح فيه، وثارت به العامة لفقده حسن المعاملة ولقلة درايته. ومن الهجائين المعاصرين لابن الشمر مؤمن (¬1) بن سعيد الملقب بدعبل الأندلس، وكان يهاجى ثمانية عشر شاعرا رموه عن قوس واحدة لتمزيقه أعراض الناس. وكان هاشم بن عبد العزيز وزير الأمير محمد بن عبد الرحمن يقرّبه ويجزل له النوال، وأسرته النصارى فى إحدى المواقع، فقال يخاطب أبا حفص ابن عمه وعدوّه شامتا به فى قصيدة طويلة:
تصبّح أبا حفص على أسر هاشم … ثلاث زجاجات وخمس رواطم (¬2)
وبح بالذى قد كنت تخفيه خفية … فقد قطع الرحمن دولة هاشم
وافتدى الأمير محمد هاشما فلما عاد إلى وزارته وعلم بالقصيدة نصب لمؤمن حبائل السعاية عند أميره فحسبه، وطال حبسه حتى توفى سنة 267. ومن كبار الهجائين فى عهد الأمير عبد الله (275 - 300 هـ) القلفاط (¬3) محمد بن يحيى المتوفى سنة 302 وكان يسلّ لسانه على الناس جميعا حتى على الأمير عبد الله وفيه يقول:
ما يرتجى العاقل فى مدّة … ألرّجل فيها موضع الراس
وكان صديقا لابن عبد ربه، وبدرت منه بادرة له، فتوجّس منه شرا، وتهاجيا وأقذع كل منهما فى هجاء صاحبه. وتخف حدة الهجاء لعهد عبد الرحمن الناصر،
¬_________
(¬1) انظر فى ترجمة مؤمن بن سعيد وشعره الحميدى، 330 والجزء السابق من المقتبس فى مواضع مختلفة (راجع الفهرس) وقضاة قرطبة للخشنى 103 - 105 والحميدى ص 330 وبغية الملتمس ص 456 والمغرب 1/ 132.
(¬2) رواطم لعلها من آنية الخمر فى الأندلس.
(¬3) انظر فى القلفاط وشعره الزبيدى 301 والحميدى 91 وبغية الملتمس 134 والمغرب 1/ 111 وابن عذارى 2/ 193 وإنباه الرواة 3/ 231 والمقتبس الجزء الخاص بالأمير عبد الله.