كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 8)

(399 - 407 هـ‍) وكان جده لأمه صاحب الأحكام بقرطبة، فهو من بيت حسب ونسب وثراء، وعنى أبوه بتربيته إلى أن توفى سنة 405 وظل بعده ينهل من العلوم والمعارف بقرطبة وخاصة من الآداب العربية. وليس لدينا أخبار واضحة عنه فى شبابه إلا ما انعقد بينه وبين ولادة بنت الخليفة المستكفى من حب، وقد توفى أبوها سنة 416 وما توافى سنة 422 حتى تسقط دولة الخلافة الأموية فى قرطبة، ويتولى أبو الحزم جهور مقاليد الحكم وجعله حكما شوريا ديمقراطيا من خلال مجلس كان يرجع إليه فى سياسته وتدبير شئون حكمه. وأكبر الظن أن ابن زيدون كان ممن انتظموا حوله فى حاشيته، ودسّ عليه حوالى سنة 430 أنه يشترك فى مؤامرة ضد أبى الحزم جهور، وتصادف أن اتّهم بالاستيلاء على عقار لبعض مواليه، وزج به أبو الحزم فى السجن، واستعطفه برسالته الجدية وبقصائد مختلفة، غير أنه ظل يصمّ أذنيه عنه إلى أن توسط له ابنه أبو الوليد-وكان صديقا له- فرد إليه أبو الحزم حريته. ويتوفى سنة 435 ويخلفه ابنه أبو الوليد فيعهد لصديقه ابن زيدون بالنظر على أهل الذمة، ثم يتخذه وزيرا له، ويوفده فى عدة سفارات إلى أمراء الطوائف، وتدبّر فى سنة 440 مؤامرة ضد أبى الوليد وتفشل المؤامرة، ونجد ابن زيدون بعدها مضطربا ويرسل إلى المعتضد عباد أمير إشبيلية أن يلجأ إليه، ويرحب بمقدمه عليه سنة 441 ويتخذه وزيرا له حتى وفاته سنة 461 ويظل وزيرا لابنه المعتمد إلى أن يلبى نداء ربه سنة 463.
وابن زيدون من أعلام الشعر والنثر فى الأندلس، وله مدائح رائعة فى أبى الحزم بن جهور وابنه أبى الوليد والمعتضد عباد، وله أيضا مراث بديعة. غير أن القطعة الأرجوانية فى حياته وشعره هى كلفه بولادة وما نظمه فيها من غزل، وكانت أديبة شاعرة، واتخذت لها مجلسا أو ندوة بقصرها تخالط فيها الشعراء وتساجلهم وتفوق أحيانا البارعين منهم، وفيها يقول ابن بسام: «كانت فى نساء أهل زمانها واحدة أقرانها حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرّتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتّاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب».
وولادة-بذلك-تكون قد سبقت سيدات الصالونات الأدبية فى فرنسا اللائى نسمع بهن بعدها بستة قرون أو سبع ممن كن يتخذن-على شاكلتها-ندوات يختلف

الصفحة 282