كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 8)

للمسك ما فاح من مراشفها … والبرق ما لاح من ثناياها
غزالة أخجلت سميّتها … فلم تشبّه بها وحاشاها (¬1)
هبها لها حسنها وبهجتها … فهل لها خدّها وعيناها
والأبيات تملك القلوب والأسماع بعذوبتها وتمكن ألفاظها وقوافيها فى سياقها، وأيضا برقتها ولطف معانيها ودقة التقابل فيها بين القامة والغصن والرّدف والكثيب والمراشف وما يلمع وراءها من الثغر وصاحبته والشمس، وهب للشمس حسنها وبهجتها فهل لها خدها الجميل وعيناها الفاتنتان. وله وراء ذلك أشعار بديعة.

ابن (¬2) خفاجة

هو أبو إسحق إبراهيم بن أبى الفتح بن عبد الله بن خفاجة، ولد سنة 450 للهجرة بجزيرة شقر بين شاطبة وبلنسية، وماء نهرها يحيط بها من جميع جهاتها، ولذلك سميت جزيرة وفى المغرب: أنها «عروس الأندلس المقلدة من نهرها بسلك، المتلفعة من جناتها بسندس، روض بسام، ونهر كالحسام، وبلبل وحمام». وفى هذه الجنة الفيحاء نشأ ابن خفاجة فى أسرة علم وأدب وغير قليل من الثراء، وأقبل على الدرس والتزود بالآداب العربية، وتفتحت موهبته الشعرية، وغذاها غذاء شعريا رفيعا بأشعار عبد المحسن الصورى والشريف الرضى ومهيار والمتنبى كما يقول فى مقدمة ديوانه، ويضرب لتأثره بهم أمثلة تدل على أنه تأثر بالصورى فى مزج الغزل بالطبيعة وبالشريف الرضى ومهيار فى ذكر الظعائن والعيس والأماكن الحجازية والنجدية والطيف والخيال ونسيم الصبا وأنفاس الخزامى، أما المتنبى فيقول إنه تأثر به فى لفّ الغزل بالحماسة.
ويقول أيضا فى مقدمة ديوانه إنه ظل فى شبابه يتمثل هؤلاء الأربعة فى شعره، متغنيا فيه بحب وجدانى وبمتاعه من الخمر والطبيعة الجميلة التى نشأ فى حجرها. ولم يحاول حينئذ أن يفد على أمراء الطوائف مادحا، كما كان يصنع الشعراء من حوله لأنه كان مكفول الرزق
¬_________
(¬1) غزالة: يريد صاحبته، وتسمى بها الشمس.
(¬2) انظر فى ابن خفاجة وترجمته وشعره الذخيرة 3/ 541 وما بعدها والقلائد ص 231 والمغرب 2/ 367 والمطرب ص 111 وابن الأبار فى التكملة (البقية المطبوعة فى الجزائر) ص 175 ومعجم الصدفى ص 59 والمطمح ص 86 وبغية الملتمس ص 202 وابن خلكان 1/ 56 والخريدة 2/ 147 ومقدمة ابن خلدون (طبع نهضة مصر) ص 1308. ومقدمة ديوانه بتحقيق د. السيد مصطفى غازى (طبع منشأة المعارف بالإسكندرية). وراجع ترجمته فى كتابنا الفن ومذاهبه فى الشعر العربى (الطبعة الحادية عشرة بدار المعارف) ص 444 وما بعدها وتاريخ الأدب الأندلسى: عصر أمراء الطوائف والمرابطين للدكتور إحسان عباس ص 204 وما بعدها.

الصفحة 317