كتاب تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (اسم الجزء: 8)

سيئات حكمه من أدائه الجزية للملك النصرانى فى الشمال ومحاربته لجيرانه من الأمراء المسلمين أبناء دينه وإنفاقه الأموال بسخاء على مجونه وملذاته كأنه يملك خزائن قارون ثم موقفه بأخرة من ابن تاشفين بطل الزلاقة منذ سنوات تعد على أصابع اليد الوحدة، إذ استنجد ضده بألفونس السادس عدو الإسلام والمسلمين. كل هذه السيئات استطاع ابن اللبانة أن يمحو دنسها عن المعتمد بعويله وتفجعه الملتاع على دولته. وكما كان ابن اللبانة شاعرا كبيرا كان وشاحا كبيرا أيضا، وله موشحات كثيرة مدح بها المعتمد بن عباد، وهو أحد أربعة من وشّاحى الأندلس أدار عليهم ابن سناء الملك اختياراته من موشحات الأندلسيين فى كتابه «دار الطراز»

ابن عبدون (¬1)
هو أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون الفهرى اليابرى، من يابرة غربى بطليوس، عنى أبوه بتربيته، وطمحت نفسه إلى التلمذة على أعلام العربية من مثل الأعلم الشنتمرى المتوفى سنة 476 وعبد الملك بن سراج المتوفى سنة 486 وأبى بكر عاصم بن أيوب البطليوسى المتوفى سنة 494. وفى الصلة لابن بشكوال أنه كان عالما بالخبر والأثر ومعانى الحديث وأن الناس أخذوا عنه. واستيقظت ملكته الشعرية مبكرة، فمدح المتوكل عمر بن المظفر أمير بطليوس وكان كاتبا شاعرا مع شجاعة وفروسية، وكان مثل أبيه ملاذا لأهل الأدب والشعر، وكانت إمارته تشمل مدن يابرة وشنترين وأشبونه إلى المحيط. وأعجب المتوكل بالشاعر الشاب الناشئ فى إمارته، ونفاجأ بوفود الشاعر على المعتمد ومديحه، ولم يجد لديه قبولا لما كان بينه وبين المتوكل أمير بلدته، فربما ظن أنه أرسله عينا عليه، ولو كان يعرفه ويعرف خلقه الكريم ما داخله هذا الظن. وعاد الشاعر من لدنه، فلم يفد بعد ذلك على أحد من أمراء الطوائف، واستغرقه المتوكل بنواله وبمودته، إذ اتّخذه جليسا ورفيقا له فى زياراته لمدن إمارته، وأسبغ عليه من الود حللا ضافية، جعلته يلهج بمديحه ويقصر شعره عليه، حتى إذا غاضب المرابطين، وقاتلهم وقتل هو وابناه: الفضل والعباس رثاه ورثى دولته برائية مشهورة سنعرض لها عما قليل. ونراه يعلن بعد ذلك فى شعره أنه لن يقدّمه إلى أمير، وكأنما مات
¬_________
(¬1) انظر فى ابن عبدون وترجمته وشعره الذخيرة 2/ 668 والقلائد 145 والمغرب 1/ 374 والخريدة 2/ 103 والصلة رقم 831 والتكملة: 407 والمطرب ص 180 والمعجب للمراكشى ص 128، 141، 228، 234، 237 والفوات 2/ 19 والنفح فى مواضع مختلفة (انظر الفهرس).

الصفحة 344