لأبى المعالى الجوينى إمام الحرمين، وكتاب فى مسائل الإجماع وشرح على محاسن المجالس لابن العريف، سكن مرسية وتجول فى غير بلد، وكان يعتنق رأى أستاذه فى وحدة (¬1) الوجود.
ونلتقى بمحيى الدين بن عربى، وهو أشهر متصوفة الأندلس، وسنخصه بترجمة قصيرة، وظهر فى إثره ابن سبعين (¬2) عبد الحق العكى المولود بمرسية سنة 614 لأسرة كانت على حظ من الجاه والنعمة، وأكب فى بدء حياته على علم المنطق والفلسفة الإلهية والعلوم الطبيعية والرياضية ونظر فى أصول الدين على طريقة الأشعرية كما نظر فى كتب التصوف لابن دهاق وغيره، وانتقل إلى سبتة سنة 640، وبها أخذ يدعو لعقيدته الصوفية، وتبعه كثير من الفقراء والعبّاد، وتصادف أن أرسل فردريك الثانى صاحب صقلية إلى علماء سبتة أسئلة فلسفية آملا منهم فى الإجابة عليها، وانتدب ابن سبعين للرد عليها، وكانت ردوده مقنعة حاسمة، مما جعل فردريك يشكره عليها، وظل علماء الغرب يهتمون بها اهتماما واسعا، وأكبّ حينئذ على كتب المتصوفة يستوعبها، واستقامت له فى التصوف عقيدة ظل يدافع عنها بقية حياته، دافع عنها أمام علماء سبتة، حتى إذا ضيّقوا عليه الخناق غادر سبتة إلى بجاية وأقام بها فترة ثم نزل تونس وجادله علماؤها حتى اضطر إلى مغادرتها. ونزل القاهرة، ولم يطب له المقام-على ما يبدو-فى مصر، فغادرها فى أوائل العقد السادس من القرن السابع، ونزل مكة وجاور بها بقية حياته إلى أن توفى سنة 669 وبها عقدت صلة وثيقة بينه وبين حاكمها الشريف أبى نمىّ محمد الأول (654 - 702 هـ). وألف ابن سبعين مصنفات ورسائل متعددة، وأهم مصنفاته: الإحاطة وبدّ العارف وسماه صاحب الفوات: «ما لا بد للعارف منه» وكأنه أراد أن يشرح المراد بالعنوان، وله بجانب ذلك مصنفات فى آداب السلوك والرياضات العملية، ومن أهمها رسالة العهد ورسالة الفقيرية التى يصور فيها معانى الفقر الصوفى وآدابه، وله رسائل فى علم الحروف. وهو بدون ريب صاحب عقيدة صوفية تابعه فيها فرقة صوفية نسبت إليه فسميت السبعينية، وتهمنا عقيدته فيما يتصل بوحدة الوجود إذ غالى فيها غلوا مفرطا بإيمانه بالوحدة المطلقة، بمعنى أنه لا وجود سوى وجود الله فهو عين الخلق وهو عين
¬_________
(¬1) راجع فى ابن دهاق التكملة (البقية المطبوعة فى الجزائر) ص 200 والإحاطة وراجع كتاب ابن سبعين (انظر الفهرس) ومقدمة ابن خلدون 3/ 1106
(¬2) انظر فى ابن سبعين فوات الوفيات 1/ 516 والبداية والنهاية 13/ 261 ولسان الميزان 3/ 392 والنفح 2/ 196 والعقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين للفاسى 5/ 326 وشذرات الذهب 5/ 329 وكتاب ابن سبعين وفلسفته الصوفية للدكتور أبى الوفا التفتازانى.