ما دهى بربشتر إنما هو رمز لما أصاب الأندلسيين فى عهد أمراء الطوائف من تقاطع وتنابذ ويدعو إلى التواصل والألفة، حتى يتدارك الأندلسيون ما يوشك أن يصيبهم من هلاك مدمر، يقول متحسرا:
«ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح فى الجسد اشتباكا، وكالأنامل فى اليد اشتراكا، لما طاش لنا سهم، ولا سقط لنا نجم (¬1)، ولا ذلّ لنا حزب، ولا فلّ لنا غرب، ولا روّع لنا سرب، ولا كدّر لنا شرب (¬2)، ولكنّا عليهم ظاهرين، إلى يوم الدين، فالحذر الحذر! فإنه رأس النظر، من بركان تطاير منه شرر ملتهب، وطوفان تساقط منه قطر مرهب، قلما يؤمن من هذا إحراق، ومن ذلك إغراق، فتنبّهوا قبل أن تنبّهوا، وقاتلوهم فى أطرافهم قبل أن يقاتلوكم فى أكنافكم، وجاهدوهم فى ثغورهم قبل أن يجاهدوكم فى دوركم»
ولم تذهب صرخة أبى محمد أدراج الرياح، فسرعان ما حمل الأندلسيون أسلحتهم كما ذكرنا، وهاجموا العدو فى بربشتر وردوا كيده فى نحره مستأصلين له إلا ما باعوه بيع الرقيق من الأبناء والعيال. وكان حريّا بأمراء الطوائف بعد تلك الكارثة المروعة أن يأتلفوا ويتحدوا ضد نصارى الشمال، ولكنهم عادوا إلى فرقتهم كما عادوا إلى استخذائهم من دفع الإتاوات السنوية لأولئك النصارى مع تسديدهم الرماح والسيوف إلى صدور إخوانهم من المسلمين إلى أن ضاعت طليطلة، ولولا أن تدارك يوسف بن تاشفين الأندلس لسقطت مدنها فى حجور النصارى واحدة إثر أخرى.
أبو بكر (¬3) بن القصيرة
هو أبو بكر محمد بن سليمان الكلاعى الولبى الإشبيلى المعروف بابن القصيرة، نشأ فى إشبيلية، وتفتحت موهبته الأدبية فى عهد المعتضد أمير إشبيلية، وفطن له-كما يقول ابن بسام-ابن زيدون وزيره، فنبه عليه المعتضد آخر دولته، فألحقه بديوانه، وتعرّف
¬_________
(¬1) يقال لم يسقط لهم نجم كناية عن غلبتهم وظفرهم الدائم.
(¬2) الشّرب: مورد الماء.
(¬3) انظر فى ترجمة ابن القصيرة ورسائله الذخيرة 2/ 239 والمغرب 1/ 350 والقلائد 104 والصلة رقم 1137 والمطرب 81 والمعجب 227 والإحاطة 2/ 516 وإعتاب الكتاب 222 والوافى 3/ 128 والخريدة 3/ 383 والذيل والتكملة 6/ 227 ووثائق تاريخية جديدة عن عصر المرابطين فى المجلد السابع من صحيفة معهد الدراسات الإسلامية فى مدريد وما بها من رسائل ابن القصيرة مع تحليل د. محمود مكى لها.