كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه (اسم الجزء: 8)

وَأتزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّيْ" (¬1).
وروى أبو داود عن أنس أيضاً رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْماً شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] (¬2).
وروى البيهقي في "الشعب" عن سهل بن أبي أمامة بن حنيف، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِتَشَدُّدِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَسَتَجِدُوْنَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامعِ وَالدِّيَارَاتِ" (¬3)، يعني: الرهبان.
فالتشدد في الدين مكروه لأنه من أعمال الرهبان، بخلاف المجاهدة في العبادة لأنها مطلوبة، وهي حمل النفس على العمل بما جاء به الشرع من أمر أو نهي، وإن كان مشقاً على النفوس غيرِ المُطمئنَّة.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].
وفي الحديث: "الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ" (¬4).
والشرع إنما جاء بتكليف العبد بما يطيقه مع المداومة عليه، كما
¬__________
(¬1) رواه البخاري (4776)، ومسلم (1401).
(¬2) رواه أبو داود (4904).
(¬3) تقدم تخريجه.
(¬4) تقدم تخريجه.

الصفحة 177