" صفحة رقم 226 "
فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّة ( سقط : الآية كاملة ) ً ).
الحديد : ( 26 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . .
لما ذكر تعالى إرسال الرسل جملة ، أفرد منهم في هذه الآية نوحاً وإبراهيم ، عليهما السلام ، تشريفاً لهما بالذكر . أما نوح ، فلأنه أول الرسل إلى من في الأرض ؛ وأما إبراهيم ، فلأنه انتسب إليه أكثر الأنبياء عليهم السلام ، وهو معظم في كل الشرائع . ثم ذكر أشرف ما حصل لذريتهما ، وذلك النبوة ، وهي التي بها هدي الناس من الضلال ؛ ) وَالْكِتَابِ ( ، وهي الكتب الأربعة : التوراة والزبور والإنجيل والقرآن ، وهي جميعها في ذرية إبراهيم عليه السلام ، وإبراهيم من ذرية نوح ، فصدق أنها في ذريتهما . وفي مصحف عبد الله : والنبية مكتوبة بالياء عوض الواو . وقال ابن عباس : ) وَالْكِتَابِ ( : الخط بالقلم ، والظاهر أن الضمير في منهم عائد على الذرية . وقيل : يعود على المرسل إليهم لدلالة ذكر الإرسال والمرسلين عليهم . ومع إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة العلل بذلك ، انقسموا إلى مهتد وفاسق ، وأخبر بالفسق عن الكثير منهم .
الحديد : ( 27 ) ثم قفينا على . . . . .
( ثُمَّ قَفَّيْنَا ( : أي اتبعنا وجعلناهم يقفون من تقدم ، ( عَلَىءاثَارِهِمْ ( : أي آثار الذرية ، ( بِرُسُلِنَا ( : وهم الرسل الذين جاءوا بعد الذرية ، ( وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ( : ذكره تشريفاً له ، ولانتشار أمته ، ونسبه لأمه على العادة في الإخبار عنه . وتقدمت قراءة الحسن : الإنجيل ، بفتح الهمزة في أول سورة آل عمران . قال أبو الفتح : وهو مثال لا نظير له . انتهى ، وهي لفظة أعجمية ، فلا يلزم فيها أن تكون على أبنية كلم العرب . وقال الزمخشري : أمره أهون من أمر البرطيل ، يعني أنه بفتح الباء وكأنه عربي ؛ وأما الإنجيل فأعجمي . وقرىء : رآفة على وزن فعالة ، ( وَجَعَلْنَا ( : يحتمل أن يكون المعنى وخلقنا ، كقوله : ) وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ( ، ويحتمل أن يكون بمعنى صيرنا ، فيكون ) فِى قُلُوبِ ( : في موضع المفعول الثاني لجعلنا . ) وَرَهْبَانِيَّةً ( معطوف على ما قبله ، فهي داخلة في الجمل . ) ابتَدَعُوهَا ( : جملة في موضع الصفة لرهبانية ، وخصت الرهبانية بالابتداع ، لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإنسان فيها ، بخلاف الرهبانية ، فإنها أفعال بدن مع شيء في القلب ، ففيها موضع للتكسب . قال قتادة : الرأفة والرحمة من الله ، والرهبانية هم ابتدعوها ؛ والرهبانية : رفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهنّ واتخاد الصوامع . وجعل أبو علي الفارسي ) وَرَهْبَانِيَّةً ( مقتطعة من العطف على ما قبلها من ) رَأْفَةً وَرَحْمَةً ( ، فانتصب عنده ) وَرَهْبَانِيَّةً ( على إضمار فعل يفسره ما بعده ، فهو من باب الاشتغال ، أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها . واتبعه الزمخشري فقال : وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره : وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، يعني وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها . انتهى ، وهذا إعراب المعتزلة ، وكان أبو عليّ معتزلياً . وهم يقولون : ما كان مخلوقاً لله لا يكون مخلوقاً للعبد ، فالرأفة والرحمة من خلق الله ، والرهبانية من ابتداع الإنسان ، فهي مخلوقة له . وهذا الإعراب الذي لهم ليس بجيد من جهة صناعة العربية ، لأن مثل هذا هو مما يجوز فيه الرفع بالابتداء ، ولا يجوز الابتداء هنا بقوله : ) وَرَهْبَانِيَّةً ( ، لأنها نكرة لا مسوغ لها من المسوغات للابتداء بالنكرة .
وروي في ابتداعهم الرهبانية أنهم افترقوا ثلاث فرق : ففرقة قاتلت الملوك على