كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 8)

" صفحة رقم 287 "
الله واختتامه بالملائكة . وبدىء بجبريل ، وأفرد بالذكر تعظيماً له وإظهاراً لمكانته عند الله . ويكون قد ذكر مرتين ، مرة بالنص ومرة في العموم . واكتنف صالح المؤمنين جبريل تشريفاً لهم واعتناء بهم ، إذ جعلهم بين الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون . فعلى هذا جبريل داخل في الظهراء لا في الولاية ، ويختص الرسول بأن الله هو مولاه . وجوزوا أن يكون ) وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ( عطفاً على اسم الله ، فيدخلان في الولاية ، ويكون ) وَالْمَلَئِكَةُ ( مبتدأ ، والخبر ) ظَهِيرٍ ( ، فيكون جبريل داخلاً في الولاية بالنص ، وفي الظهراء بالعموم ، والظاهر عموم وصالح المؤمنين فيشمل كل صالح . وقال قتادة والعلاء بن العلاء بن زيد : هم الأنبياء ، وتكون مظاهرتهم له كونهم قدوة ، فهم ظهراء بهذا المعنى . وقال عكرمة والضحاك وابن جبير ومجاهد : المراد أبو بكر وعمر ، وزاد مجاهد : وعلي بن أبي طالب . وقيل : الصحابة . وقيل : الخلفاء . وعن ابن جبير : من يرىء من النفاق ، وصالح يحتمل أن يراد به الجمع ، وإن كان مفرداً فيكون كالسامر في قوله : ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً ( ، أي سماراً . ويحتمل أن يكون جمعاً حذفت منه الواو خطأ لحذفها لفظاً ، كقوله : ) سَنَدْعُ ( ، وأفرد الظهير لأن المراد فوج ظهير ، وكثيراً ما يأتي فعيل نحو : هذا للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ المفرد ، كأنهم في الظاهرة يد واحدة على من يعاديه ، فما قد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه ، وذلك إشارة إلى تظاهرهما ، أو إلى الولاية .
وفي الحديث أن عمر قال : يا رسول الله لا تكترث بأمر نسائك ، والله معك ، وجبريل معك ، وأبو بكر وأنا معك ، فنزلت .
التحريم : ( 5 ) عسى ربه إن . . . . .
وروي عنه أنه قال لزوجات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) : ) ظَهِيرٌ عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ( الآية ، فنزلت . وقرأ الجمهور : طلقكن بفتح القاف ، وأبو عمرو في رواية ابن عباس : بإدغامها في الكاف ، وتقدم ذكر الخلاف في ) أَن يُبْدِلَهُ ( في سورة الكهف ، والمتبدل به محذوف لدلالة المعنى عليه ، تقديره : أن يبدله خيراً منكن ، لأنهن إذا طلقهن كان طلاقهن لسوء عشرتهن ، واللواتي يبدلهن بهذه الأوصاف يكن خيراً منهن . وبدأ في وصفهن بالإسلام ، وهو الانقياد ؛ ثم بالإيمان ، وهو التصديق ؛ ثم بالقنوت ، وهو الطواعية ؛ ثم بالتوبة ، وهي الإقلاع عن الذنب ؛ ثم بالعبادة ، وهي التلذذ ؛ ثم بالسياحة ، وهي كناية عن الصوم ، قاله أبو هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك . وقيل : إن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) فسره بذلك ، قاله أيضاً الحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن . قال الفراء والقتبي : سمي الصائم سائحاً لأن السائح لا زاد معه ، وإنما يأكل من حيث يجد الطعام . وقال زيد بن أسلم ويمان : مهاجرات . وقال ابن زيد : ليس في الإسلام سياحة إلا الهجرة . وقيل : ذاهبات في طاعة الله . وقرأ الجمهور : سائحات ، وعمرو بن فائد : سيحات ، وهذه الصفات تجتمع ، وأما الثيوبة والبكارة فلا يجتمعان ، فلذلك عطف أحدهما على الآخر ، ولو لم يأت بالواو لاختل المعنى . وذكر الجنسين لأن في أزواجه ( صلى الله عليه وسلم ) ) من تزوجها بكراً ، والثيب : الراجع بعد زوال العذرة ، يقال : ثابت تثوب ثووباً ، ووزنه فعيل كسيد .
التحريم : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . .
ولما وعظ أزواج الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) موعظة خاصة ، أتبع ذلك بموعظة عامة للمؤمنين وأهليهم ، وعطف ) وَأَهْلِيكُمْ ( على ) أَنفُسَكُمْ ( ، لأن رب المنزل راع وهو مسؤول عن أهله . ومعنى وقايتهم : حملهم على طاعته وإلزامهم أداء ما فرض عليهم . قال عمر : يا رسول الله ، نقي أنفسنا ، فكيف لنا بأهلينا ؟ قال : ( تنهونهن عما نهاكم الله تعالى عنه ، وتأمرونهن بما أمركم الله به ، فتكون ذلك وقاية بينهن وبين النار ) ، ودخل الأولاد في ) وَأَهْلِيكُمْ ). وقيل : دخلوا في ) أَنفُسَكُمْ ( لأن الولد بعض من أبيه ، فيعلمه الحلال والحرام ويجنبه المعاصي . وقرىء : وأهلوكم بالواو ، وهو معطوف على الضمير في ) قُواْ ( وحسن العطف للفصل بالمفعول . وقال الزمخشري : فإن قلت : أليس التقدير قوا أنفسكم وليق أهلوكم أنفسهم ؟ قلت : لا ، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو وأنفسكم واقع بعده ، فكأنه قيل : قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم . لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه . فجعلت ضميرهما معاً على لفظ المخاطب . انتهى . وناقض في قوله هذا لأنه قدر وليق أهلوكم فجعله من عطف الجمل ، لأن أهلوكم اسم ظاهرة لا يمكن عنده أن يرتفع بفعل الآمر الذي للمخاطب ، وكذا في قوله : ) اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ( ، ثم قال : ولكن المعطوف مقارن

الصفحة 287