كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 8)

" صفحة رقم 307 "
بكرت عليه غدوة فرأيته
قعوداً عليه بالصريم عواذله
) إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ( : الظاهر أنه من صرام النحل . قيل : ويحتمل أن يريد : إن كنتم أهل عزم وإقدام على رأيكم ، من قولك : سيف صارم .
القلم : ( 23 ) فانطلقوا وهم يتخافتون
) يَتَخَافَتُونَ ( : يخفون كلامهم خوفاً من أن يشعر بهم المساكين .
القلم : ( 24 ) أن لا يدخلنها . . . . .
( أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ( : أي يتخافتون بهذا الكلام وهو لا يدخلنها ، وأن مصدرية ، ويجوز أن تكون تفسيرية . وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة : لا يدخلنها ، بإسقاط أن على إضمار يقولون ، أو على إجراء يتخافتون مجرى القول ، إذ معناه : يسارون القول والنهي عن الدخول . نهى عن التمكين منه ، أي لا تمكنوهم من الدخول فيدخلوا .
القلم : ( 25 ) وغدوا على حرد . . . . .
( وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ( : أي على قصد وقدوة في أنفسهم ، يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم . قال معناه ابن عباس ، أي قاصدين إلى جنتهم بسرعة ، قادرين عند أنفسهم على صرامها . قال أبو عبيدة والقتبي : ) عَلَى حَرْدٍ ( : على منع ، أي قادرين في أنفسهم على منع المساكين من خيرها ، فجزاهم الله بأن منعهم خيراً . وقال الحسن : ) عَلَى حَرْدٍ ( ، أي حاجة وفاقة . وقال السدي وسفيان : ) عَلَى حَرْدٍ ( : على غضب ، أي لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض . وقيل : ) عَلَى حَرْدٍ ( : على انفراد ، أي انفردوا دون المساكين . وقال الأزهري : حرد اسم قريتهم . وقال السدي : اسم جنتهم ، أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم ، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام . قيل : ويحتمل أن يكون من التقدير بمعنى التضييق لقوله تعالى : ) وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ( ، أي مضيقين على المساكين ، إذ حرموهم ما كان أبوهم ينيلهم منها .
القلم : ( 26 ) فلما رأوها قالوا . . . . .
( فَلَمَّا رَأَوْهَا ( : أي على الحالة التي كانوا غدوها عليها ، من هلاكها وذهاب ما فيها من الخير ، ( قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ ( : أي عن الطريق إليها ، قاله قتادة . وذلك في أول وصولهم أنكروا أنها هي ، واعتقدوا أنهم أخطأوا الطريق إليها ، ثم وضح لهم أنها هي ، وأنه أصابها من عذاب الله ما أذهب خيرها . وقيل : لضالون عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين ،
القلم : ( 27 ) بل نحن محرومون
فقالوا : ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( خيرها بخيانتنا على أنفسنا .
القلم : ( 28 ) قال أوسطهم ألم . . . . .
( قَالَ أَوْسَطُهُمْ ( : أي أفضلهم وأرجحهم عقلاً ، ( أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ ( : أنبهم ووبخهم على تركهم ما حضهم عليه من تسبيح الله ، أي ذكره وتنزيهه عن السوء ، ولو ذكروا الله وإحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة المساكين واقتفوا سنة أبيهم في ذلك . فلما غفلوا عن ذكر الله تعالى وعزموا على منع المساكين ، ابتلاهم الله ، وهذا يدل على أن أوسطهم كان قد تقدم إليهم وحرضهم على ذكر الله تعالى . وقال مجاهد وأبو صالح : كان استثناؤهم سبحان الله . قال النحاس : جعل مجاهد التسبيح موضع إن شاء الله ، لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته . وقال الزمخشري : لالتقائهما في معنى التعظيم لله ، لأن الاستثناء تفويض إليه ، والتسبيح تنزيه له ، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم له . وقيل : ) لَوْلاَ تُسَبّحُونَ ( : تستغفرون .
القلم : ( 29 ) قالوا سبحان ربنا . . . . .
ولما انبهم ، رجعوا إلى ذكر الله تعالى ، واعترفوا على أنفسهم بالظلم ، وبادروا إلى تسبح الله تعالى فقالوا : ) سُبْحَانَ رَبّنَا ). قال ابن عباس : أي نستغفر الله من ذنبنا .
القلم : ( 30 ) فأقبل بعضهم على . . . . .
ولما أقروا بظلمهم ، لام بعضهم بعضاً ، وجعل اللوم في حيز غيره ، إذ كان منهم من زين ، ومنهم من قبل ، ومنهم من أمر بالكف ، ومنهم من عصى الأمر . ومنهم من سكت على رضا منه .
القلم : ( 31 ) قالوا يا ويلنا . . . . .
ثم اعترفوا بأنهم طغوا ، وترجوا انتظار الفرج في أن يبدلهم خيراً من تلك الجنة ،
القلم : ( 32 ) عسى ربنا أن . . . . .
( عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا ( : أي بهذه الجنة ، ( خَيْرٌ مّنْهَا ( : وتقدم الكلام في الكهف ، والخلاف في تخفيف يبدلنا ، وتثقيلها منسوباً إلى القراء . ) إِنَّا إِلَى رَبّنَا راغِبُونَ ( : أي طالبون إيصال الخير إلينا منه . والظاهر أن أصحاب هذه الجنة كانوا مؤمنين أصابوا معصية وتابوا . وقيل : كانوا من أهل الكتاب . وقال عبد الله بن مسعود : بلغني أن القوم دعوا الله وأخلصوا ، وعلم الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة ، وكل عنقود منها كالرجل الأسود القائم . وعن مجاهد : تابوا فأبدوا خيراً منها . وقال القشيري : المعظم يقولون أنهم تابوا

الصفحة 307