كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 8)

" صفحة رقم 372 "
المعنى نفي الشفاعة فانتفى النفع ، أي لا شفاعة شافعين لهم فتنفعهم من باب :
على لاحب لا يهتدي بمناره
أي : لا منار له فيهتدي به . وتخصيصهم بانتفاء شفاعة الشافعين يدل على أنه قد تكون شفاعات وينتفع بها ، ووردت أحاديث في صحة ذلك .
المدثر : ( 49 ) فما لهم عن . . . . .
( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ( : وهي مواعظ القرآن التي تذكر الآخرة ، ( مُعْرِضِينَ ( : أي والحال المنتظرة هذه الموصوفة .
المدثر : ( 50 ) كأنهم حمر مستنفرة
ثم شبههم بالحمر المستنفرة في شدة إعراضهم ونفارهم عن الإيمان وآيات الله تعالى . وقرأ الجمهور : ) حُمُرٌ ( بضم الميم ؛ والأعمش : بإسكانها . قال ابن عباس : المراد الحمر الوحشية ، شبههم تعالى بالحمر مذمة وتهجيناً لهم . وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم : ) مُّسْتَنفِرَةٌ ( بفتح الفاء ،
المدثر : ( 51 ) فرت من قسورة
والمعنى : استنفرها : فزعها من القسورة ؛ وباقي السبعة : بكسرها ، أي نافرة نفر ، واستنفر بمعنى عجب واستعجب وسر واستسخر ، ومنه قول الشاعر : أمسك حمارك إنه مستنفر
في إصر أحمرة عهدن لعرّب
ويناسب الكسر قوله : ) فَرَّتْ ). وقال محمد بن سلام : سألت أبا سرار العتوي ، وكان أعرابياً فصيحاً ، فقلت : كأنهم حمر ماذا مستنفرة طردها قسورة ؟ فقلت : إنما هو ) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ( ، قال : أفرّت ؟ قلت : نعم ، قال : فمستنفرة إذن . قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري وقتادة وعكرمة : القسورة : الرماة . وقال ابن عباس أيضاً وأبو هريرة وجمهور من اللغويين : الأسد . وقال ابن جبير : رجال القنص ، وهو قريب من القول الأول ، وقاله ابن عباس أيضاً . وقال ابن الأعرابي : القسورة أول الليل ، والمعنى : فرّت من ظلمة الليل ، ولا شيء أشدّ نفاراً من حمر الوحش ، ولذلك شبهت بها العرب الإبل في سرعة سيرها وخفتها .
المدثر : ( 52 ) بل يريد كل . . . . .
( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىء مّنْهُمْ ( : أي من المعرضين عن عظات الله وآياته ، ( أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ( : أي منشورة غير مطوية تقرأ كالكتب التي يتكاتب بها ، أو كتبت في السماء نزلت بها الملائكة ساعة كتبت رطبة لم تطو بعد ، وذلك أنهم قالوا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) : لن نتبعك حتى يؤتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه : من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، يؤمر فيها باتباعك ، ونحوه ) لَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ ). وروي أن بعضهم قال : إن كان يكتب في صحف ما يعمل كل إنسان ، فلتعرض تلك الصحف علينا ، فنزلت هذه الآية . وقرأ الجمهور : ) صُحُفاً ( بضم الصاد والحاء ، ( مُّنَشَّرَةً ( مشدّداً ؛ وابن جبير : بإسكانها منشرة مخففاً ، ونشر وأنشر مثل نزل وأنزل . شبه نشر الصحيفة بإنشار الله الموتى ، فعبر عنه بمنشرة من أنشرت ، والمحفوظ في الصحيفة والثوب نشر مخففاً ثلاثياً ، ويقال في الميت : أنشره الله فنشر هو ، أي أحياه فحيي .
المدثر : ( 53 ) كلا بل لا . . . . .
( كَلاَّ ( : ردع عن إرادتهم تلك وزجر لهم عن اقتراح الآيات ، ( بَل لاَّ يَخَافُونَ الاْخِرَةَ ( ، ولذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف . وقرأ الجمهور : ) يَخَافُونَ ( بياء الغيبة ؛ وأبو حيوة : بتاء الخطاب التفاتاً .
المدثر : ( 54 - 56 ) كلا إنه تذكرة
) كَلاَّ ( : ردع عن إعراضهم عن التذكرة ، ( إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ ( : ذكر في إنه وفي ذكره ، لأن التذكرة ذكر . وقرأ نافع وسلام ويعقوب : تذكرة بتاء الخطاب ساكنة الذال ؛ وباقي السبعة وأبو جعفر والأعمش وطلحة وعيسى والأعرج : بالياء . وروي عن أبي حيوة : يذكرون بياء الغيبة وشد الذال . وروي عن أبي جعفر : تذكرون بالتاء وإدغام التاء في الذال . ) هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى ( : أي أهل أن يتقي ويخاف ، وأهل أن يغفر . وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) فسر هذه الآية فقال : ( يقول لكم ربكم جلت قدرته وعظمته : أنا أهل أن أتقى ، فلا يجعل يتقى إله غيري ، ومن اتقى أن يجعل معي إلهاً غيري فأنا أغفر له ) . وقال الزمخشري : في قوله تعالى ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ( ، يعني : إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه ، لأنهم مطبوع على قلوبهم معلوم أنهم لا يؤمنون إختياراً .

الصفحة 372