كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 8)

" صفحة رقم 375 "
هذه السورة مكية . ومناسبتها لما قبلها : أن في آخر ما قبلها قوله : ) كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الاْخِرَةَ كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( ، وفيها كثير من أحوال القيامة ، فذكر هنا يوم القيامة وجملاً من أحوالها .
القيامة : ( 2 ) ولا أقسم بالنفس . . . . .
وتقدّم الكلام في ) لاَ أُقْسِمُ ). والخلاف في لا ، والخلاف في قراآتها في أواخر الواقعة . أقسم تعالى بيوم القيامة لعظمه وهو له .
القيامة : ( 4 ) بلى قادرين على . . . . .
و ) لاَ أُقْسِمُ ( ، قيل : لا نافية ، نفى أن يقسم بالنفس اللوّامة وأقسم بيوم القيامة ، نص على هذا الحسن ؛ والجمهور : على أن الله أقسم بالأمرين . واللوّامة ، قال الحسن : هي التي تلوم صاحبها في ترك الطاعة ونحوها ، فهي على هذا ممدوحة ، ولذلك أقسم الله بها . وروي نحوه عن ابن عباس وعن مجاهد ، تلوم على ما فات وتندم على الشر لم فعلته ، وعلى الخير لم لم تستكثر منه . وقيل : النفس المتقية التي تلوم النفوس في يوم القيامة على تقصيرهنّ في التقوى . وقال ابن عباس وقتادة : هي الفاجرة الخشعة اللوّامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها ، فهي على هذا ذميمة ، ويحسن نفي القسم بها . والنفس اللوّامة : اسم جنس بهذا الوصف . وقيل : هي نفس معينة ، وهي نفس آدم عليه السلام ، لم تزل لائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة . قال ابن عطية : وكل نفس متوسطة ليست بمطمئنة ولا أمّارة بالسوء فإنها لوّامة في الطرفين ، مرّة تلوم على ترك الطاعة ، ومرّة تلوم على فوت ما تشتهي ، فإذا اطمأنت خلصت وصفت . انتهى . والمناسبة بين القسمين من حيث أحوال النفس من سعادتها وشقاوتها وظهور ذلك في يوم القيامة ، وجواب القسم محذوف يدل عليه يوم القيامة المقسم به وما بعده من قوله : ) أَيَحْسَبُ ( الآية ، وتقديره لتبعثن . وقال الزمخشري : فإن قلت : قوله تعالى : ) فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ( ، والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي ، وكان قد أنشد قول امرىء القيس : لا وأبيك ابنة العامري
لا يدعي القوم إني أفرّ
وقول غوية بن سلمى : ألا نادت أمامة باحتمالي
لتحزنني فلا بك ما أبالي
قال : فهلا زعمت أن لا التي للقسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له ، وقدرت المقسم عليه المحذوف ههنا منفياً ، نحو قولك : ) لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ( ، لا تتركون سدى ؟ قلت : لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ ، ولكنه لم يقسم . ألا ترى كيف لقي ) لاَ أُقْسِمُ بِهَاذَا الْبَلَدِ ( بقوله : ) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى كَبَدٍ ( ، وكذلك ) فَلاَ أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( ، ( إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ ( ؟ ثم قال الزمخشري : وجواب القسم ما دل عليه قوله : ) أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن لَنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ( ، وهو لتبعثن . انتهى ، وهو تقدير النحاس . وقول من قال جواب القسم هو : ) أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ ). وما روي عن الحسن أن الجواب : ) بَلَى قَادِرِينَ ( ، وما قيل أن لا في القسمين لنفيهما ، أي لا أقسم على شيء ، وأن التقدير : أسألك أيحسب الإنسان ؟ أقوال لا تصلح أن يرد بها ، بل تطرح ولا يسود بها الورق ، ولولا أنهم سردوها في الكتب لم أنبه عليها . والإنسان هنا الكافر المكذب بالبعث . روي أن عدي بن ربيعة قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) : يا محمد ، حدّثني عن يوم القيامة متى يكون أمره ؟ فأخبره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن به ، أو يجمع الله هذه العظام بعد بلاها ، فنزلت . وقيل : نزلت في أبي جهل ، كان يقول : أيزعم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) أن يجمع الله هذه العظام بعد بلاها وتفرّقها فيعيدها خلقا

الصفحة 375