" صفحة رقم 403 "
الاستفهامية هو بإلحاق هاء السكت ، إلا إذا أضيفت إليها فلا بد من الهاء في الوقف ، نحو : بحي مه . والاستفهام عن هذا فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب ، كما تقول : أي رجل زيد ؟ وزيد ما زيد ، كأنه لما كان عديم النظير أو قليله خفيّ عليك جنسه فأخذت تستفهم عنه . ثم جرد العبارة عن تفخيم الشيء ، فجاء في القرآن ، والضمير في ) يَتَسَاءلُونَ ( لأهل مكة . ثم أخبر تعالى أنهم ) يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( ، وهو أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وما جاء به من القرآن . وقيل : الضمير لجميع العالم ، فيكون الاختلاف تصديق المؤمن وتكذيب الكافر . وقيل : المتسأل فيه البعث ، والاختلاف فيه عم متعلق بيتساءلون . ومن قرأ عمه بالهاء في الوصل فقد ذكرنا أنه يكون أجرى الوصل مجرى الوقف ، وعن النبأ متعلق بمحذوف ، أي يتساءلون عن النبأ . وأجاز الزمخشري أن يكون وقف على عمه ، ثم ابتدأ بيتسألون عن النبأ العظيم على أن يضمر لعمه يتساءلون ، وحذفت لدلالة ما بعدها عليه ، كشيء مبهم ثم يفسر . وقال ابن عطية : قال أكثر النحاة قوله ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( متعلق بيتساءلون ، الظاهر كأنه قال : لم يتساءلون عن النبأ العظيم ؟ وقال الزجاج : الكلام تام في قوله ) عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ( ، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول : يتساءلون عن النبأ ، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي يقتضيه الحال ، والمجاورة اقتضاء بالحجة وإسراعاً إلى موضع قطعهم . وقرأ عبد الله وابن جبير : يسألون بغير تاء وشد السين ، وأصله يتساءلون بتاء الخطاب ، فأدغم التاء الثانية في السين .
النبأ : ( 4 ) كلا سيعلمون
) كَلاَّ ( : ردع للمتسائلين . وقرأ الجمهور : بياء الغيبة فيهما . وعن الضحاك : الأول بالتاء على الخطاب ، والثاني بالياء على الغيبة . وهذا التكرار توكيد في الوعيد وحذف ما يتعلق به العلم على سبيل التهويل ، أي سيعلمون ما يحل بهم .
النبأ : ( 6 ) ألم نجعل الأرض . . . . .
ثم قررهم تعالى على النظر في آياته الباهرة وغرائب مخلوقاته التي ابتدعها من العدم الصرف ، وأن النظر في ذلك يفضي إلى الإيمان بما جاءت به الرسل من البعث والجزاء ، فقال : ) أَلَمْ نَجْعَلِ الاْرْضَ مِهَاداً ( ، فبدأ بما هم دائماً يباشرونه ، والمهاد : الفراش الموطأ . وقرأ الجمهور : ) مِهَاداً ( ؛ ومجاهد وعيسى وبعض الكوفيين : مهداً ، بفتح الميم وسكون الهاء ، ولم ينسب ابن عطية عيسى في هذه القراءة . وقال ابن خالويه : مهداً على التوحيد ، مجاهداً وعيسى الهمداني وهو الحوفي ، فاحتمل أن يكون قول ابن عطية وبعض الكوفيين كناية عن عيسى الهمداني . وإذا أطلقوا عيسى ، أو قالوا عيسى البصرة ، فهو عيسى بن عمر الثقفي . وتقدم الكلام في المهاد في البقرة في أول حزب ، ( وَاذْكُرُواْ اللَّهَ ).
النبأ : ( 7 ) والجبال أوتادا
) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ( : أي ثبتنا الأرض بالجبال ، كما ثبت البيت بالأوتاد . قال الأفوه : والبيت لا ينبني إلا له عمد
ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
النبأ : ( 8 ) وخلقناكم أزواجا
) أَزْواجاً ( : أي أنواعاً من اللون والصورة واللسان . وقال الزجاج وغيره : مزدوجين ، ذكراً وأنثى .
النبأ : ( 9 ) وجعلنا نومكم سباتا
) سُبَاتاً ( : سكوناً وراحة . سبت الرجل : استراح وترك الشغل ، والسبات علة معروفة يفرط على الإنسان السكوت حتى يصير قاتلاً ، والنوم شبيه به إلا في الضرر . وقال قتادة : النائم مسبوت لا يعقل ، كأنه ميت .
النبأ : ( 10 ) وجعلنا الليل لباسا
) لِبَاساً ( : أي يستترون به عن العيون فيما لا يحبون أن يظهر عليه .
النبأ : ( 11 ) وجعلنا النهار معاشا
) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ ( : قابل النوم بالنهار ، إذ فيه اليقظة . ) مَعَاشاً ( : وقت عيش ، وهو الحياة تتصرفون فيه في حوائجكم .
النبأ : ( 12 ) وبنينا فوقكم سبعا . . . . .
( سَبْعاً ( : أي سموات ، ( شِدَاداً ( : محكمة الخلق قوية لا تتأثر بمرور الأعصار إلا إذا أراد الله عز وجل . وقال الشاعر : فلما جئته أعلى محلي
وأجلسني على السبع الشداد
النبأ : ( 13 ) وجعلنا سراجا وهاجا
) سِرَاجاً ( : هو الشمس ، ( وَهَّاجاً ( : حاراً مضطرم الاتقاد . وقال عبد الله بن عمرو . الشمس في السماء الرابعة ، إلينا ظهرها ، ولهيبها يضطرم علواً .
النبأ : ( 14 ) وأنزلنا من المعصرات . . . . .
( مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ( ، قال أبي والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وقتادة ومقاتل : هي