كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 8)

" صفحة رقم 433 "
فقوله : والظرف الذي هو ) لَفِى سِجّينٍ ( ملغى قول لا يصح ، لأن اللام التي في ) لَفِى سِجّينٍ ( داخلة على الخبر ، وإذا كانت داخلة على الخبر ، فلا إلغاء في الجار والمجرور ، بل هو الخبر . ولا جائز أن تكون هذه اللام دخلت في ) لَفِى سِجّينٍ ( على فضلة هي معمولة للخبر أو لصفة الخبر ، فيكون الجار والمجرور ملغى لا خبراً ، لأن كتاب موصوف بمرقوم فلا يعمل ، ولأن مرقوماً الذي هو صفة لكتاب لا يجوز أن تدخل اللام في معموله ، ولا يجوز أن يتقدم معموله على الموصوف ، فتعين بهذا أن قوله : ) لَفِى سِجّينٍ ( هو خبر إن .
المطففين : ( 11 - 13 ) الذين يكذبون بيوم . . . . .
( الَّذِينَ يُكَذّبُونَ ( : صفة ذم ، ( كُلُّ مُعْتَدٍ ( : متجاوز الحد ، ( أَثِيمٍ ( : صفة مبالغة . وقرأ الجمهور : ) إِذَا ( ؛ والحسن : أئذا بهمزة الاستفهام . والجمهور : ) تُتْلَى ( بتاء التأنيث ؛ وأبو حيوة وابن مقسم : بالياء . قيل : ونزلت في النضر بن الحرث .
المطففين : ( 14 ) كلا بل ران . . . . .
( بَلْ رَانَ ( ، قرىء بإدغام اللام في الراء ، وبالإظهار وقف حمزة على بل وقفاً خفيفاً يسير التبيين الإظهار . وقال أبو جعفر بن الباذش : وأجمعوا ، يعني القراء ، على إدغام اللام في الراء إلا ما كان من سكت حفص على بل ، ثم يقول : ) رَانَ ( ، وهذا الذي ذكره ليس كما ذكر من الإجماع . ففي كتاب اللوامح عن قالون : من جميع طرقه إظهار اللام عند الراء ، نحو قوله : ) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ( ، ( بَل رَّبُّكُمْ ). وفي كتاب ابن عطية ، وقرأ نافع : ) بَلْ رَانَ ( غير مدغم ، وفيه أيضاً : وقرأ نافع أيضاً بالإدغام والإمالة . وقال سيبويه : اللام مع الراء نحو : أسفل رحمه البيان والإدغام حسنان . وقال الزمخشري : وقرى بإدغام اللام في الراء ، وبالإظهار والإدغام أجود ، وأميلت الألف وفخمت . انتهى . وقال سيبويه : فإذا كانت ، يعني اللام ، غير لام المعرفة ، نحو لام هل وبل ، فإن الإدغام في بعضها أحسن ، وذلك نحو : هل رأيت ؟ فإن لم تدغم فقلت : هل رأيت ؟ فهي لغة لأهل الحجاز ، وهي غريبة جائزة . انتهى . وقال الحسن والسدي : هو الذنب على الذنب . وقال الحسن : حتى يموت قلبه . وقال السدي : حتى يسود القلب . وفي الحديث نحو من هذا . فقال الكلبي : طبع على قلوبهم . وقال ابن سلام : غطى . ) مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ( ، قال ابن عطية : وعلق اللوم بهم فيما كسبوه ، وإن كان ذلك بخلق منه تعالى واختراع ، لأن الثواب والعقاب متعلقان بكسب العبد .
المطففين : ( 15 ) كلا إنهم عن . . . . .
والضمير في قوله : ) إنَّهُمْ ( ، فمن قال بالرؤية ، وهو قول أهل السنة ، قال إن هؤلاء لا يرون ربهم ، فهم محجوبون عنه . واحتج بهذه الآية مالك على سبيله الرؤية من جهة دليل الخطاب ، وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص . وقال الشافعي : لما حجب قوماً بالسخط ، دل على أن قوماً يرونه بالرضا . ومن قال بأن لا رؤية ، وهو قول المعتزلة ، قال : إنهم يحجبون عن ربهم وغفرانه . نتهى . وقال أنس بن مالك : لما حجب أعداءه فلم يروه ، تجلى لأوليائه حتى رأوه ، وقال الزمخشري : ) فَاقِرَةٌ كَلاَّ ( ردع عن الكسب الراثن على قلوبهم ، وكونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم ، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم . قال الشاعر : إذا اعتروا باب ذي عيبة رحبوا
والناس ما بين مرحوب ومحجوب
وعن ابن عباس وقتادة وابن أبي مليكة : محجوبين عن رحمته . وعن ابن كيسان : عن كرامته . انتهى . وعن مجاهد : المعنى محجوبون عن كرامته ورحمته ، وعن ربهم متعلق بمحجوبون ، وهو العامل في يومئذ ، والتنوين تنوين العوض من الجملة المحذوفة ، ولم تتقدّم جملة قريبة يكون عوضاً منها ، لكنه تقدم ) يَقُومُ النَّاسُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ ( ، فهو عوض من هذه الجملة ، كأنه قيل : يوم إذ يقوم الناس .
المطففين : ( 16 ) ثم إنهم لصالوا . . . . .
ثم هم مع الحجاب عن الله هم صالوا النار ، وهذه ثمرة الحجاب .
المطففين : ( 17 ) ثم يقال هذا . . . . .
( ثُمَّ يُقَالُ ( : أي تقول لهم خزنة النار . ) هَاذَا ( ، أي العذاب وصلي النار وهذا اليوم ، ( الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ ). قال ابن عطية : ) هَاذَا الَّذِى ( ، يعني الجملة مفعول لم يسم فاعله لأنه قول بني له الفعل الذي هو يقال . انتهى . وتقدم الكلام على نحو هذا في أول البقرة في قوله تعالى : ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الارْضِ ).
قوله عز وجل : ) كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الاْبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الاْبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ عَلَى الاْرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ

الصفحة 433