كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 8)

" صفحة رقم 444 "
نحو هذا ، وخرجت النار فأحرقت الكافرين الذين كانوا على حافتي الأخدود ، فعلى هذا يكون القتل حقيقة لا بمعنى اللعن ، ويكون خبراً عن ما فعله الله بالكفار والذين أرادوا أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم . وقول هؤلاء مخالف لقول الجمهور ولما دل عليه القصص الذي ذكروه .
البروج : ( 5 ) النار ذات الوقود
وقرأ الجمهور : ) النَّارِ ( بالجر ، وهو بدل اشتمال ، أو بدل كل من كل على تقدير محذوف ، أي أخدود النار . وقرأ قوم النار بالرفع . قيل : وعلى معنى قتلهم ، ويكون أصحاب الأخدود إذ ذاك المؤمنين ، وقتل على حقيقته . وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة وعيسى : الوقود بضم الواو وهو مصدر ، والجمهور : بفتحها ، وهو ما يوقد به . وقد حكى سيبويه أنه بالفتح أيضاً مصدر كالضم .
البروج : ( 6 ) إذ هم عليها . . . . .
والظاهر أن الضمير في ) إِذْ هُمْ ( عائد على الذين يحرقون المؤمنين ،
البروج : ( 7 ) وهم على ما . . . . .
وكذلك في ) وَهُمْ ( على قول الربيع يعود على الكافرين ، ويكون هم أيضاً عائداً عليهم ، ويكون معنى ) عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ( : ما يريدون من فعلهم بالمؤمنين . وقيل : أصحاب الأخدود محرق ، وتم الكلام عند قوله : ) ذَاتِ الْوَقُودِ ( ، ويكون المراد بقوله : ) وَهُمْ ( قريش الذين كانوا يفتنون المؤمنين والمؤمنات ، وإذا العامل فيه قتل ، أي لعنوا وقعدوا على النار ، أو على ما يدنو منها من حافات الأخدود ، كما قال الأعشى : تشب لمقرورين يصطليانها
وبات على النار الندى والمحلق
) شُهُودٌ ( : يشهد بعضهم لبعض عند الملك ، أي لم يفرط فيما أمر به ، أو شهود يوم القيامة على ما فعلوا بالمؤمنين ، يوم تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم .
البروج : ( 8 - 9 ) وما نقموا منهم . . . . .
وقرأ الجمهور : ) نَقَمُواْ ( بفتح القاف ؛ وزيد بن عليّ وأبو حيوة وابن أبي عبلة : بكسرها ، أي ما عابوا ولا أنكروا الإيمان ، كقوله : ) هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءامَنَّا بِاللَّهِ ( ، وكقول قيس الرقيات : ما نقموا من بني أمية إلا
أنهم يحلمون أن غضبوا
جعلوا ما هو في غاية الحسن قبيحاً حتى نقموا عليه ، كما قال الشاعر : ولا عيب فيها غير شكلة عينها
كذاك عتاق الطير شكلاً عيونها
وفي المنتخب : إنما قال ) إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ ( ، لأن التعذيب إنما كان واقعاً على الإيمان في المستقبل ، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى ، فكأنه قال : إلا أن يدعوا على إيمانهم . انتهى . وذكر الأوصاف التي يستحق بها تعالى أن يؤمن به ، وهو كونه تعالى عزيزاً غالباً قادراً يخشى عقابه ، حميداً منعماً يجب له الحمد على نعمته ، له ملك السموات والأرض وكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له تقريراً لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي .
( وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء شَهِيدٌ ( : وعيد لهم ، أي إنه علم ما فعلوا فهو يجازيهم .
البروج : ( 10 ) إن الذين فتنوا . . . . .
والظاهر أن ) الَّذِينَ فَتَنُواْ ( عام في كل من ابتلى المؤمنين والمؤمنات بتعذيب أو أذى ، وأن لهم عذابين : عذاباً لكفرهم ، وعذاباً لفتنتهم . وقال الزمخشري : يجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة ، وبالذين آمنوا المطروحين في الأخدود ، ومعنى فتنوهم : عذبوهم بالنار وأحرقوهم ، ( فَلَهُمْ ( في الآخرة ) عَذَابَ جَهَنَّمَ ( بكفرهم ، ( وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ( : وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق ، أو لهم عذاب جهنم في الآخرة ، ولهم عذاب الحريق في الدنيا لما روى أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم ، انتهى . وينبغي أن لا يجوز هذا الذي جوّزه ، لأن في الآية ) ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ ( ، وأولئك المحرقون لم ينقل لنا أن أحداً منهم تاب ، بل الظاهر أنهم لم يلعنوا إلا وهم قد ماتوا على الكفر . وقال ابن عطية : ) ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ ( يقوي أن الآيات في قريش ، لأن هذا اللفظ في قريش

الصفحة 444