كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 8)

" صفحة رقم 445 "
أحكم منه في أولئك الذين قد علموا أنهم ماتوا على كفرهم . وأما قريش فكان فيهم وقت نزول الآية من تاب وآمن ، انتهى . وكذلك قوله :
البروج : ( 11 ) إن الذين آمنوا . . . . .
( إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ ( ، المراد به العموم لا المطروحون في النار ،
البروج : ( 12 ) إن بطش ربك . . . . .
والبطش : الأخذ بقوة .
البروج : ( 13 ) إنه هو يبدئ . . . . .
( يُبْدِىء وَيُعِيدُ ( ، قال ابن زيد والضحاك : يبدىء الخلق بالإنشاء ، ويعيده بالحشر . وقال ابن عباس : عام في جميع الأشياء ، أي كلّ ما يبدأ وكل ما يعاد . وقال الطبري : يبدىء العذاب ويعيده على الكفار ؛ ونحوه عن ابن عباس قال : تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً ، ثم يعيدهم خلقاً جديداً . وقرىء : يبدأ من بدأ ثلاثياً ، حكاه أبو زيد .
البروج : ( 14 ) وهو الغفور الودود
ولما ذكر شدّة بطشه ، ذكر كونه ، غفوراً ساتراً لذنوب عباده ، ودوداً لطيفاً بهم محسناً إليهم ، وهاتان صفتا فعل . والظاهر أن الودود مبالغة في الوادّ ؛ وعن ابن عباس : المتودد إلى عباده بالمغفرة . وحكى المبرد عن القاضي إسماعيل بن إسحاق أن الودود هو الذي لا ولد له ، وأنشد : وأركب في الروع عريانة
ذلول الجماع لقاحاً ودودا
أي : لا ولد لها تحن إليه . وقيل : الودود فعول بمعنى مفعول ، كركوب وحلوب ، أي يوده عباده الصالحون .
البروج : ( 15 ) ذو العرش المجيد
) ذُو الْعَرْشِ ( : خص العرش بإضافة نفسه تشريفاً للعرش وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات . وقرأ الجمهور : ) ذُو ( بالواو ؛ وابن عامر في رواية : ذي بالياء ، صفة لربك . وقال القفال : ) ذُو الْعَرْشِ ( : ذو الملك والسلطان . ويجوز أن يراد بالعرش : السرير العالي ، ويكون خلق سريراً في سمائه في غاية العظمة ، بحيث لا يعرف عظمته إلا هو ومن يطلعه عليه ، انتهى . وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن وثاب والأعمش والمفضل عن عاصم والأخوان : ) الْمَجِيدِ ( بخفض الدال ، صفة للعرش ، ومجادته : عظمه وعلوّه ومقداره وحسن صورته وتركيبه ، فإنه قيل : العرش أحسن الأجسام صورة وتركيباً . ومن قرأ : ذي العرش بالياء ، جاز أن يكون المجيد بالخفض صفة لذي ، والأحسن جعل هذه المرفوعات أخباراً عن هو ، فيكون
البروج : ( 16 ) فعال لما يريد
) فَعَّالٌ ( خبراً . ويجوز أن يكون ) الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ ( صفتين للغفور ، و ) فَعَّالٌ ( خبر مبتدأ وأتى بصيغة فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة ، والمعنى : أن كل ما تعلقت به إرادته فعله لا معترض عليه .
البروج : ( 17 ) هل أتاك حديث . . . . .
( هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( : تقرير لحال الكفرة ، أي قد أتاك حديثهم ، وما جرى لهم مع أنبيائهم ، وما حل بهم من العقوبات بسبب تكذيبهم ، فكذلك يحل بقريش من العذاب مثل ما حل بهم . والجنود : الجموع المعدّة للقتال .
البروج : ( 18 ) فرعون وثمود
) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( : بدل من ) الْجُنُودِ ( ، وكأنه على حذف مضاف ، أي جنود فرعون ، واختصر ما جرى لهم إذ هم مذكورون في غير ما سورة من القرآن . وذكر ثمود لشهرة قصتهم في بلاد العرب وهي متقدّمة ، وذكر فرعون لشهرة قصته عند أهل الكتاب وعند العرب الجاهلية أيضاً . ألا ترى إلى زهير بن أبي سلمى وقوله : ألم تر أن الله أهلك تبعا
وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما لوى
وفرعون جباراً طغى والنجاشيا
وكان فرعون من المتأخرين في الهلاك ، فدل بقصته وقصة ثمود على أمثالهما من قصص الأمم المكذبين وهلاكهم .
البروج : ( 19 ) بل الذين كفروا . . . . .
( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ ( : أي من قومك ، ( فِى تَكْذِيبٍ ( : حسداً لك ، لم يعتبروا بما جرى لمن قبلهم حين كذبوا أنبياءهم . ) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ ( : أي هو قادر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون وثمود ومن كان محاطاً به ، فهو محصور في غاية لا يستطيع دفعاً ، والمعنى : دنو هلاكهم .
البروج : ( 21 ) بل هو قرآن . . . . .
ولما ذكر أنهم في تكذيب ، وأن التكذيب عمهم حتى صار كالوعاء لهم ، وكان ( صلى الله عليه وسلم ) ) قد كذبوه

الصفحة 445