كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 8)

حاله. قال: فهاتِه. قلتُ: لما خرجنا من ذي الحليفة دفنتُه عند البئر التي تعرف في الدار، فإذا جاء المساء خرجنا إليها، فدفعتُه إليك. فقال: نعم. فلما أمسينا جاء، فخرجتُ ومعي اثنان من غلماني، فانتهينا إلى البئر، وطولُها ثلاثون ذراعًا، فقلتُ له: احفر ها هنا عند رأس البئر. فأخذَ يحفر، فدفعناه، فوقع فيها، فاختنق، فلما أصبحنا جاء رجل ممَّن كان معه بالأمس، فقال: أين أبو المحرّش؟ قلنا: مضى من تحت الليل. فقال: خدَعَنا وأخذ المتاع. قلنا: ما أخذَ شيئًا، والمتاعُ عندنا، فادخلْ فخُذْهُ. فدخلَ، فأغلقنا الباب وقتلناه (¬1).
قال هشام: وجيء بجماعة من أعيان أهل المدينة إلى مسلم وهو نازل بقُباء، فأُتِيَ برجلين من قريش بعد الوقعة بيوم، وهما يزيد بن عبد الله بن زَمْعة (¬2)، ومحمد بن أبي جَهْم بن حُذيفة العدويّ، فقال: بايعا (¬3). فقال القرشيَّان: نُبايع على كتاب الله وسنَةِ رسوله. فقدَّمَهما، فضربَ أعناقَهما. فقال له مروان: سبحان الله يا مسلم! أتقتُل رجلين من قريش يبايعان على كتاب الله وسنَة رسوله؟ ! فقال: لو قلتَ مثلَ قولِهما ما رأيتَ السماء إلا بَرْقَة.
وجيء بمعقل بن سِنان، فقال له: مرحبًا بأبي محمد، وكان صديقًا له قبل ذلك، وكان قد عطش، فسقاه ماءً بثلج (¬4)، وقال: والله لا شربتَ بعده ماءً أبدًا إلا في نار جهنَّم. فقال: أنشدك اللهَ والرَّحِم. فقال مسلم: ألستَ ليلة خرجتَ من عند أمير المؤمنين يزيد وقد أتيتَه ببيعة أهلِ المدينة، فقلتَ لي: سِرْنا شهرًا، ورجعنا من عند يزيد صِفْرًا، وأتينا ببيعة هذا الفاسق ابن الفاسق؟ ! إني آليتُ لا أقدرُ عليك في حرب أو غيرها إلا ضربتُ عنقَك. ثم قتله (¬5).
¬__________
(¬1) المنتظم 6/ 16 - 17.
(¬2) في (ب) و (خ): ربيعة، وهو خطأ. والخبر في "تاريخ الطبري " 5/ 491 - 492، وسيرد في تراجم من قتل يوم الحرة.
(¬3) في (ب) و (خ): بايعوا. . . والمثبت من "تاريخ الطبري" 5/ 492.
(¬4) في "تاريخ الطبري" وغيره أنه سقاه عسلًا بثلج.
(¬5) تاريخ الطبري 5/ 492. وينظر "أنساب الأشراف" 4/ 365 - 366، و"الكامل" 4/ 119.

الصفحة 214