كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 8)

وكنيةُ الحارث هذا أبو وابصة، وكان شاعرًا، وهو القائل:
مَنْ كان يسألُ عنَا أينَ منزلُنا ... فالأُقحوانةُ منَّا منزلٌ قَمَنُ (¬1)
إذْ نلبس العيشَ صَفْوًا ما يُكَدِّرهُ ... طَعْنُ الوُشاةِ ولا ينبو به (¬2) الزمنُ
وساير الحارث بن خالد عليَّ بنَ عبد الله بن عباس، فأصاب رِكابُ عليّ ساقَ الحارث، فأوجعَه، فقال الحارث: سبحان الله! ما رأيتُ أحدًا يُسايرُ الناس مثل هذا الرِّكاب. فقال عليّ: إنه عملُ قَين كان له بمكة. يُعرِّضُ بالعاص جد الحارث؛ لما أسلَمه أبو لهب قينًا بمكّة (¬3).
وكان الحارث أشعرَ أهلِ زمانه من قريش يحذُو حَذْوَ عمرَ بن أبي ربيعة لا يتجاوز الغزل إلى مدحٍ ولا هجاء، وهو القائل:
إنِّي وما نَحَرُوا غَداةَ مِنى ... عند الجِمار تؤودُها العُقْلُ (¬4)
لو بُدِّلَتْ أعلى مساكنِها ... سُفْلًا وأصبح سُفْلُها يعلُو (¬5)
فيظلُّ (¬6) يعرفُها الخبيرُ بها ... فيردُّه الإقْواءُ والمَحْلُ (¬7)
وقال الهيثم: أقام الحارثُ في بيته معتزلًا للناس مدة أيام ابن الزبير، فلما وليَ عبد الملك ولَّاه إيَّاها (¬8) بعد قتل ابن الزبير، فلما كان في سنة خمس وسبعين (¬9) حجَّتْ عائشةُ بنتُ طلحة بن عبيد الله، فخرجت يومًا إلى الطواف وقد أذَّنَ المؤذِّن وكان الحارثُ يصلِّي بالناس، فأرسلت إليه: قد بقي من طوافي شيء يسير لم أُتمَّه، فاصبر
¬__________
(¬1) أي: خليق وجدير.
(¬2) في "الأغاني" 3/ 325، و"تاريخ دمشق" 4/ 94 (مصورة دار البشير): بنا.
(¬3) أنساب الأشراف 8/ 292 - 293. والقَين: الحدَّاد.
(¬4) تؤودها: تُثقلُها. والعُقْل، جمع عِقال، وهو الحَبْل الذي يُعقل به البعير.
(¬5) في (ب) و (خ): وأصبح علوها سفل. والمثبت من "الأغاني" 3/ 313.
(¬6) في "الأغاني": فيكاد.
(¬7) الإقواء: النزول بخلاء من الأرض، لا ماء فيه ولا ناس، والمَحْل؛ يقال: أرضٌ مَحْلٌ، أي: لا مرعى بها.
(¬8) يعني مكّة. ووقع في (ب) و (خ): فلما وليَ عبد الملك مكَة ولَّاه إيَّاها. والصواب ما أثبتُّه، وينظر "تاريخ دمشق" 4/ 196 (مصورة دار البشير).
(¬9) في (ب) و (خ): سبع وخمسين، وهو خطأ ظاهر. وسنة (75) هي السنة التي وليَ فيها الحارث بن خالد مكة لعبد الملك ينظر "الأغاني" 3/ 327.

الصفحة 219