كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 8)
11 - تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}.
6119 - أَخبَرنا الحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَخبَرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى، عَن سُفيانَ بنِ سَعِيدٍ، عَن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ مُلُوكٌ بَعْدَ عِيسَى بَدَّلُوا التَّوْرَاةَ، وَالإِنْجِيلَ، فَكَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ يَقْرَؤونَ التَّوْرَاةَ، فَقِيلَ لِمُلُوكِهِمْ: مَا نَجْدُ شَتْمًا أَشَدَّ مِنْ شَتْمٍ يَشْتِمُونَا هَؤُلاءِ، إِنَّهُمْ يَقْرَؤونَ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ}، هَؤُلاءِ الآيَاتُ مَعَ مَا يَعِيبُونَنَا بِهِ فِي أَعْمَالِنَا فِي قِرَاءَتِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَلْيَقْرَؤُوا كَمَا نَقْرَأُ، وَلْيُؤْمِنُوا كَمَا آمَنَّا به، فَدَعَاهُمْ فَجَمَعَهُمْ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ القَتْلَ أَوْ يَتْرُكُوا قِرَاءَةَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ إِلاَّ مَا بَدَّلُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: مَا تُرِيدُونَ إِلَى ذَلِكَ؟ دَعُونَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: ابنُوا لَنَا أُسْطُوَانَةً، ثُمَّ ارْفَعُونَا إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْطُونَا شَيْئًا نَرْفَعُ بِهِ طَعَامَنَا وَشَرَابَنَا فَلا نَرِدُ عَلَيْكُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: دَعُونَا نَسِيحُ فِي الأَرْضِ وَنَهِيمُ وَنَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُ الوَحْشُ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِكُمْ فَاقْتُلُونَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ابنُوا لَنَا دُورًا فِي الفَيَافِي، وَنَحْتَفِرُ الآبَارَ وَنَحْتَرِثُ البُقُولَ، فَلا نَرِدُ عَلَيْكُمْ وَلا نَقْرَبُكُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ القَبَائِلِ إِلاَّ ولَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} الآخَرُونَ، قَالُوا: نَتَعَبَّدُ كَمَا تَعَبَّدَ فُلانٌ، وَنَسِيحُ كَمَا سَاحَ فُلانٌ، وَنَتَّخِذُ دُورًا كَمَا اتَّخَذَ فُلانٌ، وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ، لا عِلْمَ لَهُمْ بِإِيمَانِ الَّذِي اقْتَدُوا بِهِ، فَلَمَّا بُعَثَ النَّبيَّ صَلى الله عَليه وسَلم، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ، انْحَطَّ رَجُلٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، وَجَاءَ سَائِحٌ مِنْ سِيَاحَتِهِ، وَصَاحِبُ الدَّيْرِ مِنْ دَيْرِهِ، فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ}، أَجْرَيْنِ بِإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وَبِالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَبِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمدٍ صَلى الله عَليه وسَلم وَتَصْدِيقِهِمْ، قَالَ: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} القُرْآنَ وَاتِّبَاعَهُمُ النَّبيَّ صَلى الله عَليه وسَلم، قَالَ: {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ} الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِكُمْ {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ} الآيَةَ.
الصفحة 151