كتاب السنن (المعروف بالسنن الكبرى) للنسائي - ط التأصيل (اسم الجزء: 8)
قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟ قَالَ: قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا، قَالَ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ فِيهَا، وَتَخَلَّفَ لِيَخْرِقَهَا، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَتَخْرِقُهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى غِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فِيهِمْ غُلامٌ لَيْسَ فِي الغِلْمَانِ أَحْسَنُ، وَلا أَنْظَفُ مِنْهُ، فَقَتَلَهُ، فَنَفَرَ مُوسَى صَلى الله عَليه وسَلم عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: فَأَخَذَتْهُ ذِمَامَةٌ مِنْ صَاحِبِهِ فاسْتَحْيَا، فقَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا، فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامٍ، وَقَدْ أَصَابَ مُوسَى جَهْدٌ، فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى، مِمَّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الجَهْدِ: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، فَأَخَذَ مُوسَى بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، فَقَالَ: حَدِّثْنِي، فَقَالَ: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ، وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، فَإِذَا مَرَّ عَلَيْهَا، فَرَآهَا مُنْخَرِقَةً تَرَكَهَا، وَرَقَعَهَا أَهْلُهَا بِقِطْعَةِ خَشَبَةٍ فَانْتَفَعُوا بِهَا، وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ يَوْمَ طُبِعَ، طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ قَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ مَحَبَّةٌ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَلَوْ عَصَيَاهُ شَيْئًا لأَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبَدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، فَوَقَعَ أَبوهُ عَلَى أُمِّهِ فَوَلَدَتْ خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الدَّارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا، فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشَدُّهَمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، وَمَا فَعَلْتُهُ عَن أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا.
الصفحة 86