كتاب تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (اسم الجزء: 8)

ثَوَابُهُ ثَوَابَ مَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْرِ الْحَلَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ. وَمَنْ أَطَاعَهُ فِي الشَّهْرِ الْحَلَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ لَيْسَ ثَوَابُهُ ثَوَابَ مَنْ أَطَاعَهُ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ فِي بَلَدٍ حَلَالٍ. وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ" «١» [الأحزاب: ٣٠]. السَّابِعَةُ- وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَنْ قَتَلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ خَطَأً، هَلْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ أَمْ لَا، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْقَتْلُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ تُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ فِيمَا بَلَغَنَا وَفِي الْحَرَمِ فَتُجْعَلُ دِيَةً وَثُلُثًا. وَيُزَادُ فِي شَبَهِ الْعَمْدِ فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي النَّفْسِ وَفِي الْجِرَاحِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ وذوي الرحم. وروي عن القاسم ابن مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ شِهَابٍ وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ: مَنْ قُتِلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوْ فِي الْحَرَمِ زِيدَ عَلَى دِيَتِهِ مِثْلُ ثُلُثِهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَيْضًا. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْقَتْلُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ، وَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّ الدِّيَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْحَرَمَ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ قَتَلَ خَطَأً فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ. فَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ كَذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ- خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ بِالذِّكْرِ، وَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ فِيهَا تَشْرِيفًا لَهَا وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي كُلِّ الزَّمَانِ. كَمَا قَالَ:" فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ" [البقرة: ١٩٧] عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ. أَيْ لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَنْفُسَكُمْ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:" فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ" فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ. وَرَوَى قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ محمد بن الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ. فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: لِمَ قَالَ فِيهِنَّ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ يَقُولُونَ لِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ: هُنَّ وَهَؤُلَاءِ فَإِذَا جَاوَزُوا الْعَشَرَةَ قَالُوا: هِيَ وَهَذِهِ، إِرَادَةَ أَنْ تُعْرَفَ تَسْمِيَةُ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ. وَرُوِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أنه قال: إني لا تعجب من فعل
---------------
(١). راجع ج ١٤ ص ١٧٣ فما بعد.

الصفحة 135