كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 8)

عَلَيْهِ أَحَدًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ مَرِيضٌ إِلَى ابْنِهِ يَزِيدَ، فَلَمَّا جَاءَهُ الْبَرِيدُ رَكِبَ وَهُوَ يَقُولُ: -
جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ ... فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ فَزَعًا
قُلْنَا لَكَ الْوَيْلُ مَاذَا فِي صَحِيفَتِكُمْ ... قال الخليفة أمسى مثقلا وَجِعًا
فَمَادَتِ الْأَرْضُ أَوْ كَادَتْ تَمِيدُ بِنَا ... كَأَنَّ أَغْبَرَ مِنْ أَرْكَانِهَا انْقَلَعَا
ثُمَّ انْبَعَثْنَا إِلَى خُوصٍ مُضَمَّرَةٍ ... نَرْمِي الْفِجَاجَ بِهَا مَا نأتلى سرعا
فما نبالى إذا بلّغن أرجلنا ... ما مات منهن بالمرمات أو طلعا
لَمَّا انْتَهَيْنَا وَبَابُ الدَّارِ مُنْصَفِقٌ ... بِصَوْتِ رَمْلَةَ رِيعَ الْقَلْبُ فَانْصَدَعَا
مَنْ لَا تَزَلْ نَفْسُهُ توفى على شرف ... توشك مقاليد تِلْكَ النَّفْسِ أَنْ تَقَعَا
أَوْدَى ابْنُ هِنْدَ وَأَوْدَى الْمَجْدُ يَتْبَعُهُ ... كَانَا جَمِيعًا خَلِيطًا سَالِمَيْنِ مَعَا
أَغَرُّ أَبْلَجُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ ... لَوْ قَارَعَ النَّاسَ عَنْ أَحْلَامِهِمْ قَرَعَا
لَا يَرْقَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَى وَإِنْ جَهِدُوا ... أَنْ يَرْقَعُوهُ ولا يوهون ما رقعا
وقال الشَّافِعِيُّ: سَرَقَ يَزِيدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ مِنَ الْأَعْشَى، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ دَخَلَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ دِمَشْقَ وَأَنَّهُ أَوْصَى إِلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ يَزِيدَ لَمْ يَدْخُلْ دِمَشْقَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِالنَّاسِ كما قدمناه وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو الْوَرْدِ الْعَنْبَرِيُّ يَرْثِي مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: -
أَلَا أَنْعَى مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... نَعَاهُ الْحِلُّ لِلشَّهْرِ الْحَرَامِ
نَعَاهُ الناعيات بِكُلِّ فَجٍّ ... خَوَاضِعَ فِي الْأَزِمَّةِ كَالسِّهَامِ
فَهَاتِيكَ النجوم وهنّ خرس ... ينحن على معاوية الهمام
وَقَالَ أَيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ يَرْثِيهِ أَيْضًا: -
رَمَى الْحِدْثَانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ... بِمِقَدْارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودَا
فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضَا ... وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ الْبِيضَ سُودَا
فَإِنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ بُكَاءَ هِنْدَ ... وَرَمْلَةَ إِذْ يُصَفِّقْنَ الْخُدُودَا
بَكَيْتَ بُكَاءَ مُعْوِلَةٍ قَرِيحٍ ... أَصَابَ الدَّهْرُ وَاحِدَهَا الْفَرِيدَا
ذِكْرُ مَنْ تَزَوَّجَ مِنَ النِّسَاءِ وَمَنْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ
كَانَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ ضَعِيفَ العقل، وأمهما فاختة بنت قرظة ابن عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقَدْ تزوج بأختها منفردة عنها بعدها، وهي كنوة بِنْتُ قَرَظَةَ وَهِيَ

الصفحة 144

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text