كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 8)

قال الزبير بن بكار: وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام وقال:
لا ذعرت السوام في فلق الصبح ... مُغِيرًا وَلَا دُعِيتُ يَزِيدَا
يَوْمَ أُعْطَى مَخَافَةَ الْمَوْتِ ضَيْمًا ... وَالْمَنَايَا تَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدَا
وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: قَالَ أَبُو جَنَابٍ يَحْيَى بْنُ أبى خيثمة عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ عَبْدِ الله ابن سليم والمنذر بْنِ الْمُشْمَعِلِّ الْأَسَدِيَّيْنِ قَالَا: خَرَجْنَا حَاجَّيْنَ مِنَ الكوفة فقدمنا مَكَّةَ فَدَخَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالْحُسَيْنِ وابن الزُّبَيْرِ قَائِمَيْنِ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى فِيمَا بَيْنَ الْحِجْرِ وَالْبَابِ، فَسَمِعْنَا ابْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ لِلْحُسَيْنِ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ أَقَمْتَ فَوُلِّيتَ هذا الأمر فوازرناك وَسَاعَدْنَاكَ وَنَصَحْنَا لَكَ وَبَايَعْنَاكَ؟. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي أَنَّ لَهَا كَبْشًا يَسْتَحِلُّ حُرْمَتَهَا يقتل، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْكَبْشَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَأَقِمْ إِنْ شِئْتَ وَوَلِّنِي أَنَا الْأَمْرَ فَتُطَاعَ وَلَا تُعْصَى، فَقَالَ:
وما أريد هذا أيضا، ثُمَّ إِنَّهُمَا أَخْفَيَا كَلَامَهُمَا دُونَنَا، فَمَا زَالَا يتناجيان حتى سمعنا دعاة الناس مُتَوَجِّهِينَ إِلَى مِنًى عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، قَالَا: فَطَافَ الْحُسَيْنُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصَّرَ مِنْ شِعْرِهِ، وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكُوفَةِ وَتَوَجَّهْنَا نَحْنُ مَعَ النَّاسِ إِلَى مِنًى.
وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ الْوَالِبِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سَمْعَانَ. قَالَ: لَمَّا خَرَجَ الْحُسَيْنُ مِنْ مَكَّةَ اعْتَرَضَهُ رُسُلُ عَمْرِو بن سعيد- يَعْنِي نَائِبَ مَكَّةَ- عَلَيْهِمْ أَخُوهُ يَحْيَى بْنُ سعيد، فقالوا له:
انصرف أين تريد؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط والعصي، ثُمَّ إِنَّ حُسَيْنًا وَأَصْحَابَهُ امْتَنَعُوا مِنْهُمُ امْتِنَاعًا قويا، ومضى الحسين على وجهه ذلك، فَنَادَاهُ: يَا حُسَيْنُ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟
تَخْرُجُ من الجماعة وتفرق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة؟ قال: فتأول الحسين هذه الآية لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ 10: 41 قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ مَرَّ بِالتَّنْعِيمِ فَلَقِيَ بها عيرا قد بعث بها يجير بن زياد الْحِمْيَرِيُّ نَائِبُ الْيَمَنِ قَدْ أَرْسَلَهَا مِنَ الْيَمَنِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَلَيْهَا وَرْسٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، فَأَخَذَهَا الْحُسَيْنُ وَانْطَلَقَ بِهَا، وَاسْتَأْجَرَ أَصْحَابَ الْجِمَالِ عَلَيْهَا إِلَى الْكُوفَةِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ أُجْرَتَهُمْ، ثُمَّ سَاقَ أَبُو مِخْنَفٍ بِإِسْنَادِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفَرَزْدَقَ لَقِيَ الْحُسَيْنَ فِي الطَّرِيقِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَعْطَاكَ اللَّهُ سُؤْلَكَ وَأَمَلَكَ فِيمَا تُحِبُّ. فَسَأَلَهُ الْحُسَيْنُ عَنْ أَمْرِ النَّاسِ وَمَا وَرَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: قُلُوبُ النَّاسِ مَعَكَ، وَسُيُوفُهُمْ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالْقَضَاءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، للَّه الأمر من قبل ومن بعد، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَكُلَّ يَوْمٍ رَبُّنَا فِي شَأْنٍ، إِنْ نَزَلَ الْقَضَاءُ بِمَا نُحِبُّ فَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نَعْمَائِهِ. وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أَدَاءِ الشُّكْرِ، وَإِنْ حَالَ الْقَضَاءُ دُونَ الرَّجَاءِ فَلَمْ يتعدّ مَنْ كَانَ الْحَقُّ نِيَّتَهُ، وَالتَّقْوَى سَرِيرَتَهُ، ثُمَّ حرك الحسين راحلته وقال:

الصفحة 166

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text