كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 8)

لَا نَرْجِعُ حَتَّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا، أَوْ نَذُوقَ مَا ذَاقَ أَخُونَا. فَسَارَ الْحُسَيْنُ حَتَّى إِذَا كان بزرود بلغه أيضا مَقْتَلِ الَّذِي بَعَثَهُ بِكِتَابِهِ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَوَصْلَ إِلَى حاجر، فقال: خَذَلَتْنَا شِيعَتُنَا، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمُ الِانْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنَّا ذِمَامٌ، قَالَ: فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ أَيَادِيَ سَبَا يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى بَقِيَ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، [وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ إِنَّمَا اتَّبَعُوهُ لِأَنَّهُ يَأْتِي بَلَدًا قَدِ اسْتَقَامَتْ لَهُ طَاعَةُ أَهْلِهَا، فَكَرِهَ أَنْ يَسِيرُوا مَعَهُ إلا وهم يعلمون على م يُقْدِمُونَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا بَيَّنَ لَهُمُ الْأَمْرَ لَمْ يَصْحَبْهُ إِلَّا مَنْ يُرِيدُ مُوَاسَاتَهُ في الموت معه] [1] قال: فلما كان السَّحَرِ أَمَرَ فِتْيَانَهُ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْمَاءِ ويكثروا مِنْهُ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى مَرَّ بِبَطْنِ الْعَقَبَةِ فَنَزَلَ بِهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شَافَهَ الحسين قال: رأيت أخبية مَضْرُوبَةً بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَذِهِ لِحُسَيْنٍ قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا شَيْخٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالدُّمُوعُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ وَلِحْيَتِهِ، قال قلت: بأبي وأمى يا ابن بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ مَا أَنْزَلَكَ هَذِهِ الْبِلَادَ وَالْفَلَاةَ الَّتِي لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ: هَذِهِ كُتُبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَيَّ وَلَا أَرَاهُمْ إِلَّا قَاتِلِيَّ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَدَعُوَا للَّه حُرْمَةً إِلَّا انْتَهَكُوهَا، فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الْأُمَّةِ- يَعْنِي مِقْنَعَتَهَا- وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قرة.
قال قال الحسين: والله لتعتدنّ عَلَيَّ كَمَا اعْتَدَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي السَّبْتِ. وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ. قَالَ قَالَ الْحُسَيْنُ: وَاللَّهِ لَا يَدْعُونِي حَتَّى يَسْتَخْرِجُوا هَذِهِ الْعَلَقَةَ مِنْ جَوْفِي، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الْأَمَةِ. فَقُتِلَ بِنِينَوَى يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ ثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا شِهَابُ بْنُ حراش عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ. قَالَ: كُنْتُ فِي الجيش الذين بَعَثَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى الْحُسَيْنِ، وكَانُوا أَرْبَعَةَ آلاف يريدون قتال الديلم، فعينهم ابن زياد وصرفهم إلى قتال الْحُسَيْنِ، فَلَقِيتُ حُسَيْنًا فَرَأَيْتُهُ أَسْوَدَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ- وَكَانَتْ فِيهِ غُنَّةٌ- فَقَالَ: لقد باتت فيكم سللة منذ الليلة- يعنى سراقا- قَالَ شِهَابٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ فَأَعْجَبَهُ وَكَانَتْ فِيهِ غُنَّةٌ- قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَهِيَ فِي الْحُسَيْنِيَّيْنِ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَاهِلِيِّ. قَالَ: لَمَّا صَبَّحَتِ الْخَيْلُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ:
اللَّهمّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَرَجَائِي في كل شدة، وأنت لي من كل أمر نزل ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، فَكَمْ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الْفُؤَادُ، وَتَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ، وَيَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك
__________
[1] سقط من المصرية

الصفحة 169

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text