كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 8)

الْمُرَادِيُّ وَرَجُلَانِ آخَرَانِ، وَهَمَا عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ ومعن السلمي، وَأَقْبَلَ الْحُسَيْنُ يُكَلِّمُ مَنْ بَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ زِيَادٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ بَرُودٍ، فَلَمَّا كَلَّمَهُمُ انْصَرَفَ فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ له عمرو الطهوي بسهم بين كتفيه، فَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى السَّهْمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِجُبَّتِهِ، فَلَمَّا أَبَوْا عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى مَصَافِّهِ وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ، فِيهِمْ لِصُلْبِ عَلِيٍّ خَمْسَةٌ، وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ سِتَّةَ عَشَرَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حَلِيفٌ لَهُمْ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ حَلِيفٌ لَهُمْ، وَابْنُ عَمِّ ابْنِ زِيَادٍ.
وَقَالَ حُصَيْنٌ، حدثني سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ قَالَ: إِنَّا لَمُسْتَنْقَعُونَ فِي الْمَاءِ مَعَ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ فَقَالَ لَهُ: قَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ ابْنُ زِيَادٍ جُوَيْرِيَةَ بْنَ بَدْرٍ التَّمِيمِيَّ وَأَمَرَهُ إِنْ لَمْ تُقَاتِلِ الْقَوْمَ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَكَ. قَالَ: فَوَثَبَ إِلَى فَرَسِهِ فَرَكِبَهَا ثُمَّ دَعَا بِسِلَاحِهِ فَلَبِسَهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى فَرَسِهِ، وَنَهَضَ بِالنَّاسِ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَقُولُ بِقَضِيبِهِ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كان قد شَمِطَ. قَالَ: وَجِيءَ بِنِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ وَأَهْلِهِ قَالَ: وَكَانَ أَحْسَنَ شَيْءٍ صَنَعَهُ أَنْ أَمَرَ لَهُمْ بِمَنْزِلٍ فِي مَكَانٍ مُعْتَزِلٍ وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ رِزْقًا، وَأَمَرَ لَهُمْ بِنَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ. قَالَ: وَانْطَلَقَ غُلَامَانِ منهم من أولاد عبد الله بن جعفر- أو ابن أبى جَعْفَرٍ- فَأَتَيَا رَجُلًا مِنْ طيِّئ فَلَجَآ إِلَيْهِ مستجيران به، فضرب أعناقها وَجَاءَ بِرَأْسَيْهِمَا حَتَّى وَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ زِيَادٍ، قَالَ: فَهَمَّ ابْنُ زِيَادٍ بِضَرْبِ عُنُقِهِ وَأَمَرَ بِدَارِهِ فَهُدِمَتْ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَوْلًى لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ يَزِيدُ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَأَيْتُهُ يَبْكِي ويقول: لو كان بين ابن زياد وَبَيْنَهُ رَحِمٌ مَا فَعَلَ هَذَا- يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ- قَالَ الْحُصَيْنُ:
وَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ لَبِثُوا شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً كَأَنَّمَا تُلَطَّخُ الْحَوَائِطُ بِالدِّمَاءِ ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع [قال أبو مخنف: حدثني لوذان حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين: أين تريد؟ فحدثه، فقال له: أنشدك الله لما انصرفت راجعا، فو الله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك ولا يقاتل معك، وإنما والله أنت قادم على الأسنة والسيوف، فان هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيا، فأما على هذه الصفة فانى لا أرى لك أن تفعل. فقال له الحسين: إنه ليس بخفي عليّ ما قلت وما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره، ثم ارتحل قاصدا الكوفة. وقال خالد بن العاص: -
ربّ مستنصح يغش ويردى ... وظنين بالغيب يلقى نصيحا] [1]
وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَكَانَ عَامِلَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ لِيَزِيدَ، وَقَدْ عَزَلَ يَزِيدُ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَوَلَّاهَا عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْهَا والله سبحانه وتعالى أعلم.
__________
[1] سقط من المصرية

الصفحة 171

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text