كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 8)

الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَلَامٌ فَتَهَاجَرَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَ الْحَسَنُ إِلَى الْحُسَيْنِ فَأَكَبَّ عَلَى رأسه يقبله، فقام الحسين فقبله أيضا، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي مَنَعَنِي مِنِ ابْتِدَائِكَ بِهَذَا أَنِّي رَأَيْتُ أَنَّكَ أَحَقُّ بِالْفَضْلِ مِنِّي فَكَرِهْتُ أن أنازعك ما أنت أحق به منى. وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ الْحَسَنَ كَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ يَعِيبُ عَلَيْهِ إِعْطَاءَ الشُّعَرَاءِ فقال الحسين إن أحسن الْمَالِ مَا وَقَى الْعِرْضَ. [وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدُ بْنُ حَنِيفَةَ الْوَاسِطِيُّ ثنا يزيد بن البراء بن عمرو ابن الْبَرَاءِ الْغَنَوِيُّ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَأَرَادَ أن يستلم فما وسع له الناس، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا فِرَاسٍ مَنْ هَذَا فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
فِي كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهَا عبق ... بكف أورع فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نِسْبَتُهُ ... طَابَتْ عَنَاصِرُهُ وَالْخِيمُ وَالشِّيَمُ
لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايَتِهِ ... وَلَا يُدَانِيهِ قَوْمٌ إِنْ هموا كرموا
مَنْ يَعْرِفِ اللَّهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا ... فَالدِّينُ من بيت هذا ناله أمم
أي العشائر هم ليست رقابهم ... لا ولية هذا أوله نعم
هَكَذَا أَوْرَدَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْحُسَيْنِ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ وَهُوَ غَرِيبٌ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا من قبل الْفَرَزْدَقِ فِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ لَا فِي أَبِيهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ فَإِنَّ الْفَرَزْدَقَ لَمْ يَرَ الْحُسَيْنَ إِلَّا وَهُوَ مُقْبِلٌ إِلَى الْحَجِّ وَالْحُسَيْنُ ذَاهِبٌ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَأَلَ الْحُسَيْنُ الْفَرَزْدَقَ عَنِ النَّاسِ فَذَكَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ قُتِلَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لَهُ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، فَمَتَى رَآهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ عَوَانَةَ قَالَ:
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ لِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبْتُهُ إِلَيْكَ فِي قَتْلِ الْحُسَيْنِ؟ فَقَالَ:
مَضَيْتُ لَأَمْرِكَ وَضَاعَ الْكِتَابُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زياد: لتحيئن بِهِ، قَالَ: ضَاعَ، قَالَ: وَاللَّهِ لَتَجِيئَنَّ بِهِ، قَالَ: تُرِكَ وَاللَّهِ يُقْرَأُ عَلَى عَجَائِزِ قُرَيْشٍ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِنَّ بِالْمَدِينَةِ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ نَصَحْتُكَ في حسين نصيحة لو نصحتها إلى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ لَكُنْتُ قَدْ أَدَّيْتُ حَقَّهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ زِيَادٍ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ، صَدَقَ عُمَرُ وَاللَّهِ. وَلَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَنِي زِيَادٍ رَجُلٌ إِلَّا وَفَى أَنْفِهِ خِزَامَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ حُسَيْنًا لم يقتل، قال: فو الله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله بن زياد] . [1]
__________
[1] سقط من المصرية

الصفحة 208

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text