كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 8)

الْحَكِيمِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَجُلًا سَهْلَ الْخُلُقِ لين الكنف، رجوت أن يسهل به مِنَ الْأُمُورِ مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهَا وَأَنْ يَجْتَمِعَ مَا تَفَرَّقَ، فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ صَلَاحَ خَوَاصِّنَا وَعَوَامِّنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قالوا:
فعزل يزيد الوليد وولى عثمان مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَسَارَ إِلَى الْحِجَازِ وَإِذَا هُوَ فَتًى غِرٌّ حَدَثٌ غُمْرٌ لَمْ يُمَارِسِ الْأُمُورَ، فَطَمِعُوا فِيهِ، وَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ بَعَثَ إِلَى يَزِيدَ مِنْهَا وَفْدًا فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلُ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الحضرميّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَرِجَالٌ كَثِيرٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا عَلَى يَزِيدَ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ إليهم وعظم جَوَائِزَهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَّا الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى صَاحِبِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ أَجَازَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ نَظِيرَ أَصْحَابِهِ مِنْ أُولَئِكَ الْوَفْدِ، وَلَمَّا رَجَعَ وَفْدُ الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا أَظْهَرُوا شَتْمَ يَزِيدَ وَعَيْبَهُ وَقَالُوا: قَدِمْنَا مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ دِينٌ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتَعْزِفُ عِنْدَهُ الْقَيْنَاتُ بِالْمَعَازِفِ، وَإِنَّا نُشْهِدُكُمْ أَنَّا قَدْ خَلَعْنَاهُ، فَتَابَعَهُمُ النَّاسُ عَلَى خَلْعِهِ، وَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلَ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرَجَعَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَافَقَ أُولَئِكَ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَسْكَرُ حَتَّى ترك الصَّلَاةَ، وَعَابَهُ أَكْثَرُ مِمَّا عَابَهُ أُولَئِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ قَالَ: اللَّهمّ إِنِّي آثَرْتُهُ وَأَكْرَمْتُهُ فَفَعَلَ مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَأَدْرِكْهُ وَانْتَقِمَ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ بَعَثَ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَنْهَاهُمْ عَمَّا صَنَعُوا وَيُحَذِّرُهُمْ غِبَّ ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ يَزِيدُ وَخَوَّفَهُمُ الْفِتْنَةَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْفِتْنَةَ وَخِيمَةٌ، وَقَالَ: لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِأَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ: ما يحملك يَا نُعْمَانُ عَلَى تَفْرِيقِ جَمَاعَتِنَا وَفَسَادِ مَا أَصْلَحَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِنَا؟ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: أما والله لكأنّي وقد تركت تلك الأمور الَّتِي تَدْعُو إِلَيْهَا، وَقَامَتِ الرِّجَالُ عَلَى الرَّكْبِ التي تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحى الْمَوْتِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَكَأَنِّي بِكَ قَدْ ضَرَبْتَ جنب بغلتك إليّ وَخَلَّفْتَ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ- يَعْنِي الْأَنْصَارَ- يُقْتَلُونَ فِي سِكَكِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ، وَعَلَى أَبْوَابِ دُورِهِمْ. فَعَصَاهُ النَّاسُ فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ فَانْصَرَفَ وَكَانَ الْأَمْرُ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ سَوَاءً. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ في وَفَدَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَقَدْ رَجَعُوا مِنْ عِنْدِ يزيد فإنما وفد عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْوَلِيدُ فَمَا قَدِمَ وَفْدُ الْمَدِينَةِ إِلَى يَزِيدَ إِلَّا فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَهُوَ أَشْبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ
بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ كَانَ إِسْلَامُهُ حِينَ اجْتَازَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُهَاجِرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ كُرَاعِ الْغَمِيمِ، فَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ تَلَقَّاهُ بُرَيْدَةُ في ثمانين نفسا من أهل فَأَسْلَمُوا، وَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَعَلَّمَهُ

الصفحة 216

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text