كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 8)

فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهَا، فَقَالَتْ: أَتَقْتُلُ ابْنَتَكَ؟ فَقَالَ: وَإِنْ، فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ وَالشَّاةَ وَجَعَلَ يَذْبَحُهَا وَيَسْلُخُهَا وَهُوَ يَقُولُ مُرْتَجِزًا:
يَا جَارَتِي لَا تُوقِظِي الْبُنَيَّهْ ... إِنْ تُوقِظِيهَا تَنْتَحِبْ عَلَيَّهْ
وَتَنْزِعِ الشَّفْرَةَ مِنْ يَدَيَّهْ
ثُمَّ هَيَّأَهَا طَعَامًا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَوْلَاهُ فَعَشَّاهُمَا، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَدْ سَمِعَ مُحَاوَرَتَهُ لِامْرَأَتِهِ فِي الشَّاةِ، فَلَمَّا أَرَادَ الِارْتِحَالَ قَالَ لِمَوْلَاهُ: وَيْلَكَ مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْمَالِ؟ فَقَالَ: مَعِي خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَضَلَتْ مِنْ نَفَقَتِكَ، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَى الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تُعْطِيهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ وَإِنَّمَا ذَبْحَ لَكَ شَاةً وَاحِدَةً تُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ وَاللَّهِ لَهْوَ أَسْخَى مِنَّا وَأَجْوَدُ، لِأَنَّا إِنَّمَا أَعْطَيْنَاهُ بَعْضَ مَا نَمْلِكُ، وَجَادَ هُوَ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ مَا يَمْلُكُ، وَآثَرَنَا عَلَى مُهْجَةِ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: للَّه دَرُّ عُبَيْدِ اللَّهِ، مِنْ أَيِّ بَيْضَةٍ خَرَجَ؟ وَمَنْ أَيِّ شَيْءٍ دَرَجَ. قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ:
تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ يزيد بن معاوية، قال أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ! تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ بِالْيَمَنِ، وَلَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا هشيم ثنا يحيى بن إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بن عباس قال: جاءت العميصا- أو الرميصا- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْكُو زَوْجَهَا تَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَمَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ زَوْجُهَا فَزَعَمَ أَنَّهَا كَاذِبَةً، وَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لَكِ ذَلِكَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رَجُلٌ غَيْرُهُ» وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ على بن حجرة عن هشيم به. وممن توفى فيها
أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ
وزوجة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَحَبُّ أَزْوَاجِهِ إِلَيْهِ، الْمُبَرَّأَةِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ رَضِيَ اللَّهُ عنها، وعن أبيها. وَأُمُّهَا هِيَ أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الْكِنَانِيَّةُ، تُكَنَّى عَائِشَةُ بِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ، قِيلَ كَنَّاهَا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ إِنَّهَا أَسْقَطَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُقْطًا فَسَمَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَاجِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهَا، تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَقَدْ أَتَاهُ الْمَلَكُ بِهَا فِي المنام في سرقة من حريرة، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ. قَالَ: «فَأَكْشِفُ عَنْكِ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ، إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ، فَخَطَبَهَا من أبيها فقال: يا رسول الله أو تحل لك؟ قال: نعم! قال: أو لست أخوك؟ قَالَ: بَلَى فِي الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لِي حَلَالٌ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ» . وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَقِيلَ بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَقِيلَ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَانَ عُمْرُهَا إِذْ ذَاكَ سِتَّ سِنِينَ ثُمَّ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ بَعْدَ بَدْرٍ، فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ فَأَحَبَّهَا. وَلَمَّا تَكَلَّمَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ بِالزُّورِ

الصفحة 91

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text