كتاب شرح سنن أبي داود لابن رسلان (اسم الجزء: 8)

حاجة ومن خلفه مثل ذلك، وإنما أحاطوا به من الجهات الأربع ليسهل عليهم رؤيته للاقتداء بأفعاله وأقواله، وليتمتعوا بمشاهدته من كل الجهات (ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا) أي: بيننا، يقال: بين أظهرهم وظهورهم وظهرانيهم بفتح النون مثنى بمعنى الجمع (وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله) فيه الحث على التمسك بما أخبرهم به [عن فعل] (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته تلك، فإنه كان ينزل عليه بما يفعله الوحي في جميع حجه فيفهمه عن الله ويبينه للناس، فلذلك قال: "خذوا عني مناسككم" (¬2)، فكانوا كما قال جابر (فما عمل به من شيء عملنا به) أي: إذا عمل شيئًا اقتدوا به فيه وعملوا على نحو عمله (فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد) أي: بكلمة التوحيد النافية للشريك بقوله: لا شريك لك. بخلاف ما كانت تلبي الجاهلية إذ كانت تشرك بالله فتقول في تلبيته: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. ثم فسر كلمة التوحيد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) ولبيك كلمة (¬3) يجاب بها المنادي، والقصد بها ها هنا: الإجابة لقول إبراهيم حين أمره الله بقوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} الآية، وهي مشتقة من لب بالمكان وألب لغتان، ومعناها: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، ولفظها مثنى سقطت نونه للإضافة، ولكن المعنى على التكثير كما تقدم (إن) بكسر الهمزة على الأفصح للاستئناف، ويجوز الفتح على معنى لأن
¬__________
(¬1) من (م).
(¬2) رواه مسلم (1297).
(¬3) في (م): لفظ.

الصفحة 573