كتاب توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (اسم الجزء: 8)
حلال، والنِّحلة هي: العطية، يعني: كل مال أعطيته عبدي عن طريق البيع أو الشراء أو الحراثة أو الكسب والحرفة فهو حلال.
وقوله: ((كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ)): فالأصل هو الحل إلا ما ورد الشرع بالتحريم، وهذا من الأدلة على أن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}.
وقوله: ((وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ)): فيه: أن الله تعالى خلق عباده حنفاء مسلمين، ففطرهم على دين الإسلام، وهو أنهم يعرفون ربهم ويميلون إلى الحق ويقبلونه، لكن جاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن الفطرة وهي الحنيفية، وهذا كالحديث الآخر: ((كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواهُ يُهوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرانِهِ، أو يُمَجِّسانِهِ)) (¬١).
وقوله: ((وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا)): فيه: أنه لا يجوز للإنسان أن يحرم شيئًا أحله الله لعباده.
وفي هذا الحديث: رد على المشركين الذين يحرمون أشياء لم يحرمها الله تعالى، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
وفيه: أن من حرم شيئًا بغير دليل فهو مطيع للشياطين التي حرمت على الناس ما أحل الله لهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ولا سلطان على الشرك.
وقوله: ((مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا)): لا يفهم منه: أنه يجوز الإشراك بالله تعالى إذا كان معه سلطان، وإنما هذا القيد لبيان الواقع، كقوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ}، فلا يفهم منه: أنه يجوز أن يُدعَى مع الله إلهٌ آخرُ عليه برهان، ولكن هذا لبيان الواقع.
وقوله: ((وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).